أبي بكر جابر الجزائري

401

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

اللّه تعالى . بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ : أي بسبب إخلافهم ما وعدوا اللّه تعالى به . سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ : أي ما يسرونه في نفوسهم ويخفونه ، وما يتناجون به فيما بينهم . عَلَّامُ الْغُيُوبِ : يعلم كل غيب في الأرض أو في السماء . معنى الآيات : ما زال السياق في المنافقين وهم أصناف وهذا صنف « 1 » آخر منهم قد عاهد اللّه تعالى لئن أغناهم من فضله وأصبحوا ذوي ثروة ومال كثير ليصدقن منه ولينفقنّه في طريق البر والخير ، فلما أعطاهم اللّه ما سألوا وكثر مالهم شحوا به وبخلوا ، وتولوا عما تعهدوا به وما كانوا عليه من تقوى وصلاح ، وهم معرضون . فأورثهم هذا البخل وخلف الوعد والكذب نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ « 2 » لا يفارقهم حتى يلقوا ربهم . هذا ما دل عليه قوله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ « 3 » اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتاهُمْ « 4 » مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ . أما الآية الأخيرة ( 78 ) وهي قوله تعالى أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ؟ ؟ فإنها تضمنت توبيخ اللّه تعالى للمنافقين الذين عاهدوا اللّه وأخلفوه بموقفهم الشائن كأنهم لا يعلمون أن اللّه يعلم سرهم ونجواهم وأنه تعالى علام الغيوب ، وإلا كيف يعدونه ويحلفون له أم يحسبون أن اللّه لا يسمع سرهم ونجواهم فموقفهم هذا موقف مخز لهم شائن ، وويل لهم حيث لازمهم ثمرته وهو النفاق حتى الموت وبهذا أغلق باب التوبة في وجوههم وهلكوا مع الهالكين .

--> ( 1 ) قال قتادة : هذا رجل من الأنصار قال : لئن رزقني اللّه شيئا لأدين فيه حقه ولأتصدقن فلما آتاه اللّه ذلك فعل ما قصّ عليكم فاحذروا الكذب فإنه يؤدي إلى الفجور . ( 2 ) نِفاقاً نكرة أي : نفاقا ما من نوع من أنواع النفاق وليس هو نفاق الكفر وإنّما هو نفاق العمل . ( 3 ) الآية صريحة ودلالتها واضحة في أنّ أحد أفراد المؤمنين سأل اللّه المال سواء بواسطة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كأن قال له ادع اللّه لي ، أو سأل بنفسه وقطع عهدا لربه بما ذكر في الآية ، ولما أخلف ما عاهد اللّه عليه أصيب بمرض النفاق في قلبه - والعياذ باللّه تعالى - وهل هو ثعلبة بن حاطب أو غيره أما ثعلبة فقد شهد بدرا ، وأهل بدر ذكر لهم وعد عظيم ، فلا يصح أن يكون أحدهم وقع في هذه الفتنة وإن كان غيره فهو حق ، وجائز أن يكون هذا الغير اسمه ثعلبة فتشابه الاسم بالاسم فظن أنه البدري وليس هو واللّه أعلم . هذا واللّه إني لخائف من هذه الآية أن تنطبق عليّ فاللهم عفوك وغفرانك لي . ( 4 ) صيغة الجمع تدل على أن من عاهد اللّه لم يكن فردا واحدا بل كان جماعة ولذا قال الضحاك : إن الآية نزلت في رجال من المنافقين : نبتل بن الحارث والجد بن قيس ومعتب بن قشير إلّا أن قوله تعالى : فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً يتنافى مع كونهم منافقين ، إلّا أن يقال : زادهم نفاقا خلفهم هذا على نفاقهم الأول . واللّه أعلم .