أبي بكر جابر الجزائري

340

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ : أي يغلبوكم . لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ : أي لا يراعوا فيكم ولا يحترموا . إِلًّا وَلا ذِمَّةً : أي لا قرابة ، ولا عهدا فالإلّ : القرابة والذمة : العهد . معنى الآيات : ما زال السياق في إعلان الحرب العامة على المشركين تطهيرا لأرض الجزيرة التي هي دار الإسلام وحوزته من بقايا الشرك والمشركين ، فقال تعالى لرسوله والمؤمنين فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ « 1 » أي إذا انقضت وخرجت الأشهر الحرم التي أمنتم فيها المشركين الذين لا عهد لهم أولهم عهد ولكن دون أربعة أشهر أو فوقها وبدون حد محدود فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ « 2 » حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ في الحل والحرم سواء وَخُذُوهُمْ أسرى وَاحْصُرُوهُمْ حتى يستسلموا ، وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ أي سدوا عليهم الطرق حتى يقدموا أنفسهم مسلمين أو مستسلمين وقوله تعالى فَإِنْ تابُوا أي من الشرك وحربكم وَأَقامُوا الصَّلاةَ « 3 » وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ « 4 » إذ أصبحوا مسلمين مثلكم . وقوله إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي أن اللّه سيغفر لهم ويرحمهم بعد إسلامهم ، لأنه تعالى غفور رحيم ، هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 5 ) أما الآية الثانية ( 6 ) فقد أمر تعالى رسوله أن يجير من طلب جواره من المشركين حتى يسمع كلام اللّه منه صلّى اللّه عليه وسلّم ويتفهم دعوة الإسلام ثم هو بالخيار إن شاء أسلم وذلك خير له وإن لم يسلم رده « 5 » رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى مكان يأمن فيه من المسلمين أن يقتلوه .

--> ( 1 ) ليس المراد بالأشهر الحرم الثلاثة السرد ، والواحد الفرد التي هي القعدة والحجة والمحرم ورجب بل المراد منها ما هو مبين في التفسير ومعنى كونها حرما أنه يحرم قتال المشركين فيها والتعرض لهم بالسوء والأذى . ( 2 ) لفظ المشركين عام في كل مشرك وهو مخصوص بالسنة إذ نهى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن قتل المرأة والصبي والراهب . ( 3 ) شاهده حديث الصحاح : ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمدا رسول اللّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلّا بحقها وحسابهم على اللّه ) وقال أبو بكر : واللّه لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال . ( 4 ) مالك والشافعي وأحمد على أن تارك الصلاة استحلالا لها أو غير استحلال يؤخر إلى أن يبقى من الوقت الضروري قدر ما يصلي ركعة قبل خروج الوقت ويقتل ، وأبو حنيفة والظاهرية يقولون : يسجن ويضرب حتى يصلي ولا يقتل . ( 5 ) إمام المسلمين هو الذي يتولى أمر التأمين لمن طلب ذلك من المشركين إذ هو نائب عن سائر المسلمين ، ويجوز للمسلم ذكرا كان أو أنثى أن يؤمن شخصا ما لما له من حرمة لقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : ( المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد واحدة على من سواهم ) . وخالف بعضهم في المرأة فقالوا : لا بد من موافقة الإمام لها على تأمينها وخالف أبو حنيفة في العبد .