أبي بكر جابر الجزائري
337
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
معنى الآيات : هذه السورة القرآنية الوحيدة التي خلت من البسملة « 1 » لأنها مفتتحة بآيات عذاب فتنافى معها ذكر الرحمة ، وهذه السورة من آخر ما نزل من سور القرآن الكريم وقد بعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عليا وبعض الصحابة في حج سنة تسع يقرءون هذه الآيات في الموسم ، وهي تعلم المشركين أن من كان له عهد مطلق بلا حد شهر أو سنة مثلا أو كان له عهد دون أربعة أشهر ، أو كان له عهد فوق أربعة أشهر ونقضه تعلمهم بأن عليهم أن يسيحوا في الأرض بأمان كامل مدة أربعة أشهر فإن أسلموا فهو خير لهم وإن خرجوا من الجزيرة فإن لهم ذلك وإن بقوا كافرين فسوف يؤخذون ويقتلون حيثما وجدوا في ديار الجزيرة التي أصبحت دار إسلام بفتح مكة ودخول أهل الطائف في الإسلام هذا معنى قوله تعالى بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي واصلة إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ « 2 » مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ تبدأ من يوم الإعلان عن ذلك وهو يوم العيد عيد الأضحى . وقوله تعالى وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ أي غير فائتيه ولا هاربين من قهره وسلطانه عليكم هذا أولا ، وثانيا وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ أي مذلهم وقوله تعالى وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم والأذان الإعلان والإعلام ، إِلَى النَّاسِ وهم المشركون يَوْمَ الْحَجِّ « 3 » الْأَكْبَرِ « 4 » أي يوم عيد الأضحى حيث تفرّغ الحجاج للإقامة بمنى للراحة والاستجمام قبل العودة إلى ديارهم ، وصورة الإعلان عن تلك البراءة هي قوله تعالى أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ « 5 » مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ أي كذلك بريء من المشركين وعليه فَإِنْ تُبْتُمْ أيها المشركون إلى اللّه تعالى بتوحيده والإيمان برسوله وطاعته وطاعة رسوله فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ من الإصرار على الشرك
--> ( 1 ) روي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : سألت عليا رضي اللّه عنه : لم لم يكتب في براءة بسم اللّه الرحمن الرحيم قال : لأنّ بسم اللّه الرحمن الرحيم أمان ، وبراءة نزلت بالسيف ليس فيها أمان . هذا أحد خمسة أوجه في عدم كتابة البسملة في براءة وهو أوجهها ، وهو ما ذكرناه في التفسير . ( 2 ) نسبت المعاهدة إلى المؤمنين كافة ، والمعاهد هو الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لأنه المتولي لها ولسائر العقود . وكان رضاهم بها واجبا عليهم فلذا نسبت إليهم . ( 3 ) وقيل إنه يوم عرفة ، والصحيح ما ذكرناه في التفسير وأنه يوم النحر لحديث ابن عمر عن أبي داود إذ قال : ( وقف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم النحر في الحجة التي حجّ فيها فقال : أي يوم هذا ؟ فقالوا : يوم النحر فقال : هذا يوم الحج الأكبر ) . ( 4 ) اختلف في العلة في تسمية الحج بالأكبر ، وأحسن الأقوال أنه قيل فيه الأكبر : لأنه حج حضره الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وحضرت فيه أمة الإسلام التي وجدت في تلك السنة فحجّ أكبر عدد في ذلك العام . ( 5 ) قالت العلماء : في الآية بيان جواز قطع المعاهدة بين المسلمين والكافرين لأحد أمرين : الأول : أن تنقضي المدة المعاهد عليها فنعلمهم بانقضائها وبالحرب عليهم . والثاني : أن نخاف غدرهم لظهور علامات تدلّ عليه .