أبي بكر جابر الجزائري

265

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

وَذَرُوا : اتركوا . يُلْحِدُونَ : يميلون بها إلى الباطل . وَمِمَّنْ خَلَقْنا : أي من الناس . معنى الآيات : على إثر ذكر الهدى والضلال وإن المهتدى من هداه اللّه ، والضال من أضله اللّه أخبر تعالى أنه قد خلق لجهنم كثيرا من الجن والإنس ، علما منه تعالى بأنهم يرفضون هدايته ويتكبرون عن عبادته ، ويحاربون أنبياءه ورسله ، وإن رفضهم للهداية وتكبرهم عن العبادة عطل حواسهم فلا القلب يفقه ما يقال له ، ولا العين تبصر ما تراه ، ولا الأذن تسمع ما تخبر به وتحدث عنه فأصبحوا كالأنعام « 1 » بل هم أضل لأن الأنعام ما خرجت عن الطريق الذي سيقت له وخلقت لأجله ، « 2 » وأما أولئك فقد خرجوا عن الطريق الذي أمروا بسلوكه ، وخلقوا له ألا وهو عبادة اللّه تعالى وحده لا شريك له لينجوا من العذاب ويسعدوا في دار النعيم ، وقوله تعالى أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ تقرير لحقيقة وهي أن استمرارهم في الضلال كان نتيجة غفلتهم عن آيات اللّه الكونية فلا يتأملوها فيعرفوا أن المعبود الحق هو اللّه وحده ويعبدوه وعن آيات اللّه التنزيلية فلا يتدبروها فيعلموا أن اللّه هو الحق المبين فيعبدوه وحده بما شرع لهم في كتابه وسنة نبيه . هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 179 ) وأما الآية الثانية في هذا السياق ( 180 ) وهي قوله تعالى وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ « 3 » بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فقد أخبر تعالى فيها بأن الأسماء الحسنى له تعالى خاصة لا يشاركه فيها أحد من خلقه ، وقد أخبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنها مائة « 4 » اسم إلا اسما أي تسعة وتسعون اسما ووردت مفرقة في القرآن الكريم ، وأمر تعالى عباده أن

--> ( 1 ) قال عطاء : الأنعام تعرف اللّه والكافر لا يعرفه ، وقيل : الأنعام مطيعة للّه ، والكافر غير مطيع . ( 2 ) أي : لا همّة لهم إلا الأكل والشرب واللباس والنكاح ، وهم أضل من الأنعام لأنّ الأنعام تبصر مضارها ومنافعها وتتبع مالكها وهم على خلاف ذلك . ( 3 ) روى أحمد رحمه اللّه عن ابن مسعود رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : ( ما أصاب أحدا قط هم ولا حزم فقال : اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض فيّ حكمك ، عدل فيّ قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك أو علّمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همّي إلّا أذهب اللّه حزنه وهمّه وأبدل مكانه فرحا ) . ( 4 ) روى الشيخان عن أبي هريرة أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : ( إن للّه تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحبّ الوتر ) .