أبي بكر جابر الجزائري
254
ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ : أي ترفعوا وطغوا فلم يبالوا بالنهي . قِرَدَةً خاسِئِينَ : القردة جمع قرد معروف وخاسئين ذليلين حقيرين اخساء . معنى الآيات : ما زال السياق في بني إسرائيل إلا أنه هنا مع رسول اللّه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ويهود المدينة فالله تعالى يقول لنبيه محمد عليه الصلاة والسّلام أسألهم « 1 » أي اليهود عَنِ الْقَرْيَةِ « 2 » الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ أي قريبة منه على شاطئه وهي مدينة من مدن أرض القدس والشام ، « 3 » أي أسألهم عن أهلها كيف كان عاقبة أمرهم ، إنهم مسخوا قردة وخنازير جزاء فسقهم عن أمر ربهم ، وفصل له الحادث تفصيلا للعبرة والاتعاظ فقال إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ « 4 » أي يعتدون ما أذن لهم فيه إلى ما حرم عليهم ، اذن لهم أن يصيدوا ما شاءوا إلا يوم السبت فإنه يوم عبادة ليس يوم لهو وصيد وطرب ، إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ أي أسماكهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً ظاهرة على سطح الماء تغريهم بنفسها وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ أي في باقي أيام الأسبوع لا تَأْتِيهِمْ إذا هم مبتلون ، قال تعالى كَذلِكَ أي كهذا الابتلاء والاختبار نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي بسبب فسقهم عن طاعة ربهم ورسله ، إذ ما من معصية إلا بذنب هكذا سنة اللّه تعالى في الناس . هذا ما تضمنته الآية الأولى ( 163 ) وهي قوله تعالى وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ « 5 » حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ ، كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ « 6 » بِما كانُوا يَفْسُقُونَ . وأما الآية الثانية ( 164 ) فالله تعالى يقول لرسوله اذكر لهم أيضا إذ قالت طائفة منهم أي من أهل القرية لطائفة أخرى كانت تعظ المعتدين في السبت أي تنهاهم عنه لأنه
--> ( 1 ) هذا سؤال توبيخ وتقرير ، إذ كانوا يتبجّحون بأنهم أبناء اللّه وأحباؤه وأنهم من سبط خليل الرحمن إبراهيم ، ومن سبط إسرائيل ، فالسؤال عن القرية السؤال عن أهلها . ( 2 ) هذه القرية هي أيلة ، والمسماة اليوم بالعقبة وهي مدينة على ساحل البحر الأحمر ( 3 ) وهي مبدأ أرض الشام من جهة مصر . ( 4 ) السبت : اليوم الذي بين الجمعة والأحد ، ويجمع السبت على أسبت وسبوت وأسبات . ( 5 ) قيل للحسين بن الفضل : هل تجد في كتاب اللّه تعالى أنّ الحلال لا يأتيك إلّا قوتا وإن الحرام يأتيك جزفا جزفا يعني : بكثرة كاثرة قال : نعم في قصة داود وأيلة إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ . . . الآية . ( 6 ) نَبْلُوهُمْ : أي بالتشديد عليهم فيما يشرع لهم عقوبة لهم .