الشيخ ماجد ناصر الزبيدي

54

التيسير في التفسير للقرآن برواية أهل البيت ( ع )

تبرأوا منهم أي : من قومهم الكفار إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ أي اقتدوا بإبراهيم في كل أموره إلا في هذا القول ، فلا تقتدوا فيه ، فإنه عليه السّلام إنما استغفر لأبيه عن موعدة وعدها إياه بالإيمان . فلما تبين له أنه عدو للّه ، تبرأ منه . قال الحسن : وإنما تبين له ذلك عند موت أبيه ، ولو لم يستثن ذلك ، لظن أنه يجوز الاستغفار للكفار مطلقا من غير موعدة بالإيمان منهم ، فنهوا أن يقتدوا به في هذا خاصة ، وقيل : كان آزر ينافق إبراهيم ، ويريه أنه مسلم ، ويعده إظهار الإسلام ، فيستغفر له ، ثم قال : وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إذا أراد عقابك ، ولا يمكنني دفع ذلك ، عنك رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا أي وكانوا يقولون ذلك وَإِلَيْكَ أَنَبْنا أي وإلى طاعتك رجعنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ أي إلى حكمك المرجع وهذه حكاية لقول إبراهيم وقومه . ويحتمل أن يكون تعليما لعباده أن يقولوا ذلك ، فيفوضوا أمورهم إليه ، ويرجعون إليه بالتوبة رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا « 1 » معناه : لا تعذبنا بأيديهم ، ولا ببلاء من عندك ، فيقولوا : لو كان هؤلاء على حق لما أصابهم هذا البلاء . وقيل : معناه ولا تسلطهم علينا ، فيفتنونا عن دينك . وقيل : معناه ألطف بنا حتى نصبر على أذاهم ، ولا نتبعهم فنصير فتنة لهم . وقيل : معناه اعصمنا من موالاة الكفار ، فإنا إذا واليناهم ، ظنوا أنا صوبناهم . وقيل : معناه لا تخذلنا إذا حاربناهم ، فلو خذلتنا لقالوا : لو كان هؤلاء على الحق لما خذلوا . وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا ذنوبنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الذي لا يغالب و الْحَكِيمُ الذي لا يفعل إلا الحكمة والصواب . وفي هذا تعليم للمسلمين أن يدعوا بهذا الدعاء . ثم أعاد سبحانه في ذكر الأسوة فقال : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أي في

--> ( 1 ) قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : « ما كان من ولد آدم مؤمن إلا فقيرا ، ولا كافر إلا غنيا ، حتى جاء إبراهيم عليه السّلام فقال : رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا فصير اللّه في هؤلاء أموالا وحاجة وفي هؤلاء أموالا وحاجة » . ( الكافي : ج 2 ، ص 202 ، ح 1 ) .