الشيخ ماجد ناصر الزبيدي
52
التيسير في التفسير للقرآن برواية أهل البيت ( ع )
عبادة الأصنام والملائكة إلى مشيئة اللّه ، قال : أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً وهو استفهام بمعنى التقرير لهم على خطئهم ، والتقدير : أهذا الذي ذكروه شيء تخرصوه وافتعلوه ، أم آتيناهم كتابا . مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ أي مستمسكون بذلك . فإذا لم يمكنهم ادعاء أن اللّه تعالى أنزل بذلك كتابا ، علم أن ذلك من تخرصهم ، ودل أم على حذف حرف الاستفهام ، لأنه المعادل له . ثم أعلم أنهم اتبعوا آباءهم في الضلالة فقال : ليس الأمر كذلك بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ أي على ملة وطريقة . وقيل : على جماعة ، أي كانوا مجتمعين موافقين على ما نحن عليه وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ نهتدي بهداهم . ثم قال سبحانه : وَكَذلِكَ أي ومثل ما قال هؤلاء في الحوالة على تقليد آبائهم في الكفر ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ يا محمد فِي قَرْيَةٍ ومجمع من الناس مِنْ نَذِيرٍ أي نذيرا ، لأن مِنْ زائدة . إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها وهم المتنعمون الذين آثروا الترفه على طلب الحجة ، يريد الرؤساء إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ نقتدي بهم ، فلا نخالفهم . وأحال جميعهم على التقليد للآباء فحسب ، دون الحجة والتقليد قبيح في العقول ، إذ لو كان جائزا لكان يلزم في ذلك أن يكون الحق في الشيء ونقيضه ، فكل فريق يقلد أسلافه مع أن كلا منهم يعتقد أن من سواه على خطأ وضلال ، وهذا باطل لا شبهة في بطلانه . فإذا لا بد من الرجوع إلى حجة عقلية أو سمعية . ثم قال سبحانه للنذير : قالَ لهم أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ تتبعون ما وجدتم عليه آباءكم ، ولا تقبلون ما جئتكم به . وفي هذا أحسن التلطف في الاستدعاء إلى الحق ، وهو أنه لو كان ما يدعونه حقا وهدى ، وكان ما جئتكم به من الحق أهدى منه ، كان أوجب أن يتبع ويرجع إليه . ثم أخبر أنهم أبوا أن يقبلوا ذلك و قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ أيها الرسل كافِرُونَ . ثم ذكر سبحانه ما فعل بهم ، فقال : فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ بأن