الشيخ ماجد ناصر الزبيدي
183
التيسير في التفسير للقرآن برواية أهل البيت ( ع )
فلما كان في اليوم الثاني نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحديبية وهي على طرف الحرم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستنفر الأعراب في طريقه معه ، فلم يتبعه أحد ، يقولون : أيطمع محمد وأصحابه أن يدخلوا الحرم وقد غزتهم قريش في عقر ديارهم فقتلوهم ، أنه لا يرجع محمد وأصحابه إلى المدينة أبدا . فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحديبية خرجت قريش يحلفون باللات والعزى لا يدعون محمدا صلى الله عليه وآله وسلم يدخل مكة وفيهم عين تطرف ، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أني لم آت لحرب ، ولكن جئت لأقضي نسكي وأنحر بدني وأخلي بينكم وبين لحماتها . فبعثوا إليه عروة بن مسعود الثقفي ، وكان عاقلا أريبا « 1 » ، وهو الذي أنزل الله فيه : وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ « 2 » ، فلما أقبل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عظّم ذلك ، وقال : يا محمد ، تركت القوم ، وقد ضربوا الأبنية ، وأخرجوا العوذ « 3 » المطافيل ، يحلفون باللات والعزى لا يدعوك تدخل مكة - فإن مكة حرمهم - وفيهم عين تطرف ، أفتريد أن تبيد أهلك ، وقومك ، يا محمد ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ما جئت لحرب ، وإنما جئت لأقضي نسكي ، وأنحر بدني ، وأخلي بينكم وبين لحماتها . فقال عروة : باللّه ما رأيت كاليوم أحدا صد كما صددت . فرجع إلى قريش فأخبرهم ، فقالت قريش : واللّه لئن دخل محمد مكة وتسامعت به العرب لنذلنّ ولتجترين علينا العرب . فبعثوا حفص بن الأحنف وسهيل بن عمرو ، فلما نظر إليهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : ويح قريش ، قد نهكتهم الحرب ، ألا خلوا بيني وبين العرب ،
--> ( 1 ) وقيل : لبيبا والأريب : ذو الدهاء والفطنة . ( 2 ) الزخرف : 31 . ( 3 ) العوذ : الحديثة النتاج من الإبل والخيل .