الشيخ ماجد ناصر الزبيدي
222
التيسير في التفسير للقرآن برواية أهل البيت ( ع )
ثم أخبر سبحانه ذميم فعالهم ، فقال : وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً يريد بالناس الكفار ، فهو عموم يراد به الخصوص مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ أي : راحة ورخاء بعد شدة وبلاء ، وحقيقة الذوق فيما له طعم يوجد إنما يكون طعمه بالفم ، وإنما قال أذقناهم الرحمة على طريق البلاغة ، لشدة إدراك الحاسة إياها إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا أي : فهم يحتالون لدفع آياتنا بكل ما يجدون السبيل إليه من شبهة ، أو تخليط في مناظرة ، أو غير ذلك من الأمور الفاسدة . وقال مجاهد : مكرهم استهزاؤهم وتكذيبهم . قُلِ يا محمد لهم اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً أي : أقدر جزاء على المكر ، ومعناه أن ما يأتيهم من العقاب أسرع مما أتوه من المكر أي أوقع في حقه . وقيل : إن مكره سبحانه إنزاله العقوبة بهم من حيث لا يشعرون . إِنَّ رُسُلَنا يعني الملائكة الحفظة يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ أي ما تدبرون من سوء التدبير . وفي هذا غاية الزجر والتهديد من وجهين أحدهما أنه يحفظ مكرهم والآخر أنه أقدر على جزائهم وأسرع فيه . ثم امتن اللّه سبحانه على خلقه ، بأن عدد نعمه التي يفعلها بهم في كل حال ، فقال هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ أي : يمكنكم من السير في البر والبحر ، بما هيأ لكم من آلات السير ، وهي خلق الدواب وتسخيرها لكم لتركبوها في البر ، وتحملوا عليها أثقالكم ، وهيأ السفن في البحر ، وإرسال الرياح المختلفة التي تجري بالسفن في الجهات المختلفة . حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ خص الخطاب براكب البحر أي : إذا كنتم راكبي السفن في البحر وَجَرَيْنَ بِهِمْ أي : وجرت السفن بالناس لما ركبوها ، عدل عن الخطاب إلى الإخبار عن الغائب ، تصرفا في الكلام ، على أنه يجوز أن يكون خطابا لمن كان في تلك الحال ، وإخبارا لغيرهم من الناس بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ أي : بريح لينة يستطيبونها .