الشيخ ماجد ناصر الزبيدي
335
التيسير في التفسير للقرآن برواية أهل البيت ( ع )
اللّه قد دبّر أمر الخلق بحيث إنّ خلق كلّ كائن يتمّ ضمن سلسلة من العوامل . فلكي يولد إنسان قرّر اللّه أن يكون ذلك من طريق الاتّصال الجنسي ، ونفوذ الحيمن في البويضة . لذلك حقّ لمريم أن تصيبها الدهشة وأن تتقدّم بسؤالها : كيف يمكن أن تحمل وتلد ويكون لها ولد بغير أن يكون لها أيّ اتصال جنسي مع أيّ بشر ؟ قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ . فجاءتها الملائكة بأمر ربّها تخبرها بأنّ اللّه يخلق ما يشاء وكيفما يشاء ، فنظام الطبيعة هذا من خلق اللّه وهو يأتمر بأمره ، واللّه قادر على تغيير هذا النظام وقتما يشاء ، فيخلق وفق أسباب وعوامل أخرى غير عادية ما يشاء : كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ . ثم لتوكيد هذا الأمر وإنهائه يقول : إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . إنّ تعبير « كن فيكون » إشارة إلى سرعة الخلق . بديهيّ أن لفظة « كن » تشير في الحقيقة إلى إرادة اللّه الحاسمة التي لا يعتريها الأخذ والرد . أي أنّه ما إن يشاء أمرا يصدر أمره بالخلق حتى تتحقّق مشيئته في عالم الوجود . من الجدير بالالتفات أنّه بشأن خلق عيسى قال : « يخلق » ولكنّه بشأن خلق يحيى قبل بضع آيات قال : « يفعل » . ولعلّ هذا الاختلاف في التعبير ناشىء من اختلاف طريقة خلق هذين النبيّين ، فأحدهما خلق بطريقة طبيعية ، والآخر خلق بطريقة خارقة للطبيعة .