عبد الله محمود شحاتة

837

تفسير القرآن الكريم

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 29 إلى 30 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ( 29 ) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 30 ) تمهيد : بعد أن ذكر فيما سلف كيفية معاملة اليتامى وإيتاء أموالهم إليهم عند الرشد وعدم دفع الأموال إلى السفهاء ، ثم بين وجوب دفع المهور للنساء وأنكر عليهم أخذها بوجه من الوجوه ، ثم ذكر وجوب إعطاء شئ من أموال اليتامى إلى أقاربهم إذا حضروا القسمة ، ذكر هنا قاعدة عامة للتعامل في الأموال ؛ تطهيرا للأنفس في جمع المال المحبوب لها فقال : 29 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ . يا أيها الذين آمنوا لا يأخذ بعضكم مال بعض بغير الحق أي : بأنواع المكاسب غير المشروعة كأنواع الربا ، والقمار ، والسرقة ، والغصب ، والرشوة ، واليمين الكاذبة ، وشهادة الزور ، ونحو ذلك مما حرمه اللّه . وبيّن وسيلة من وسائل الكسب الحلال ، وهي التجارة القائمة عن تراض يتعامل الناس فيها معا ، ويقيمونها بينهم كما بينها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وفصلها الفقهاء في كتبهم ، ويلحق بالتجارة كل أسباب التملك التي أباحها الشارع كالهبة ، والصدقة ، والإرث . وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ . أي : بارتكاب محارم الله وتعاطى معاصيه وأكل أموالكم بينكم بالباطل ، إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً . فيما أمركم به ونهاكم عنه . روى الإمام أحمد وأبو داود : أن عمرو بن العاص كان أميرا على الجيش في سرية ذات السلاسل فأصبح جنبا في ليلة باردة شديدة البرد ؛ فتيمم وصلى بأصحابه ثم أخبر بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقال : يا رسول اللّه ، احتلمت في ليلة باردة وأشفقت إن اغتسلت أن أهلك ؛ فذكرت قول اللّه عزّ وجل : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً . فتيممت ثم صليت ؛ وضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يقل شيئا 1 . وفي الصحيحين : « من قتل نفسه بشيء عذب به إلى يوم القيامة » 2 . وروى البخاري عن أبي هريرة رضى اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « من تردى من جبل فقتل نفسه ؛ فهو في نار جهنم يتردى فيه خالدا مخلدا فيها أبدا ، ومن تحسى سما فقتل نفسه ؛ فسمه في