عبد الله محمود شحاتة
860
تفسير القرآن الكريم
فهذا إيمانهم بالجبت والطاغوت ؛ لأنهم سجدوا للأصنام ، وأطاعوا إبليس فيما فعلوا . وقال أبو سفيان لكعب : إنك امرؤ تقرأ الكتاب ، وتعلم ، ونحن أميون لا نعلم . فأينا أهدى سبيلا : نحن أم محمد ؟ فقال : ما ذا يقول محمد ؟ قال : يأمر بعبادة اللّه وحده ، وينهى عن الشرك . قال : وما دينكم ؟ قالوا : نحن ولاة البيت : نسقى الحاج ، ونقرى الضيف ، ونفك العاني . وذكروا أفعالهم . فقال : أنتم أهدى سبيلا ؛ فنزلت . وروى - من غير وجه - نحو ذلك . وهذه الآية : تعجيب من حال أخرى من أحوال أهل الكتاب ، وتوبيخ لهم على ارتكابهم جريمة من أشنع الجرائم ، وهي سجودهم للأصنام ، وشهادتهم بأن عبدة الطاغوت أحسن دينا من أهل الإسلام . على الرغم من أنهم أهل كتاب . وأعرف من غيرهم بالدين الصحيح . والمعنى : ألم ينته علمك يا محمد - أو كل من يستحق أن يخاطب - إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، ورزقوا حظا منه ، وإلى حالتهم العجيبة الداعية إلى الدهشة والعجب ، وهي أنهم - مع كونهم أهل كتاب - يؤمنون بالأصنام ويطيعون الشيطان ، ويقولون في شأن الذين آمنوا للذين كفروا - من أجل مخالفتهم - هؤلاء الكفار الجاهليون : أهدى سبيلا ، وأقوم طريقا من الذين آمنوا بمحمد ؟ ! فبين بذلك مناط التعجيب من حالهم . يا للعجب من قوم : أهل كتاب ، وأتباع رسل ، يقولون عن المؤمنين بمحمد : إن الكفار - من مشركي مكة - أهدى منهم سبيلا ! وإنما وصفهم اللّه بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب ، ولم يصفهم بأنهم أوتوا الكتاب ؛ لأن حالهم تتنافى مع الكتاب كله ، حيث يؤمنون ببعضه ، ويكفرون ببعضه . 52 - أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً . بعد أن ذكر اللّه أحوالهم المثيرة للدهشة والعجب ، عقب ذلك بتقريعهم ، وبيان العقاب المستحق لهم ، فقال : أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ . . . الآية والمعنى : أولئك الموصوفون بالصفات السابقة ، المرتكبون لهذه الجرائم البشعة ، هم الذين حكم اللّه عليهم بالطرد من رحمته ؛ بسبب كفرهم وعصيانهم ومن يلعنه اللّه ويبعده من رحمته ؛ فلن تجد له نصيرا ينصره من عذاب اللّه الذي ينزل به . 53 - أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً . أي : ليس لهم نصيب من الملك ، حتى يكون لهم الحق في الإعطاء والمنع ، والحكم بالهداية وغيرها ؛ فقد زال ملكهم قبل بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، بمئات السنين ولو بقي لهم من الأمر شئ ، لما أعطوا أحدا أقل قليل من الخير . ثم بيّن اللّه تعالى سر هذا العناد والتمادي في الضلال ، فذكر أنه يرجع إلى حسدهم للنبي صلى اللّه عليه وسلم وأمته ، وسيطرة الحقد على نفوسهم ، فوبخهم على ذلك بقوله :