عبد الله محمود شحاتة

855

تفسير القرآن الكريم

أي : اسمع كلامنا لا أسمعك اللّه ، في الموضع الذي يقول فيه المتأدبون للمخاطبين : اسمع غير مسمع . أي : لا سمعت مكروها . فاللفظ يسوقونه ومرادهم منه الدعاء عليه ويوهمون أن مرادهم الدعاء له . ويقولون : راعِنا . وهي كلمة تحتمل الخير على معنى : ( انظرنا وتمهل علينا نكلمك ) وتحتمل الشر على معنى : ( راعينا ) أي : اشملنا بالرعونة والحمق ، أو جعله راعيا من رعاة الغنم . ومن تحريفهم قولهم : ( السام عليكم ) أي : الموت عليكم ، لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ . أي : صرفا للكلام عن ظاهره إلى إرادة الشتم والسب ، وقدحا في الدين بالاستهزاء والسخرية . وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ . أي : لو أنهم استقاموا وقالوا : سَمِعْنا وَأَطَعْنا . بدل قولهم : سمعنا وعصينا وقالوا : اسْمَعْ دون أن يقولوا : غير مسمع ، وقالوا : انْظُرْنا بدل راعِنا لكان خيرا لهم ما قالوه ، وأعدل منه سبيلا ولكن اللّه طردهم من رحمته ؛ بإعراضهم فلا تجد منهم من يستجيبون لداعى الإيمان إلا عددا قليلا . * * * [ سورة النساء ( 4 ) : آية 47 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ( 47 ) المفردات : الكتاب : التوراة . الطمس : إزالة الأثر بمحوه أو إخفائه كما تطمس آثار الدار وأعلام الطرق إما بأن تنقل حجارتها ، وإما بأن تسفوها الرياح ، ومنه الطمس على الأموال في قوله : رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ . ( يونس : 88 ) أي : أزلها وأهلكها ، والطمس على الأعين في قوله : وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ . ( يس : 66 ) إما إزالة نورها ، وإما محو حدقتها . الوجه : تارة يراد به الوجه المعروف وتارة وجه النفس وهو ما تتوجه إليه من المقاصد كما قال تعالى : أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ . ( آل عمران : 20 ) ، وقال : وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ . ( لقمان : 22 ) ، وقال : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً . ( الروم : 30 ) . الأدبار : واحدها : دبر ، وهو الخلف والقفا . الارتداد : هو الرجوع إلى الوراء ، إما في الحسيات وإما في المعاني ، ومن الأول : الارتداد والفرار في القتال ومن الثاني : قوله : إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ . ( محمد : 25 ) نلعنهم : نهلكهم . كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ ، أي : كما أهلكنا أصحاب السبت ، وقيل : مسخهم الله وجعلهم قردة وخنازير كما أخرجه ابن جرير عن الحسن .