عبد الله محمود شحاتة
848
تفسير القرآن الكريم
39 - وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً . الاستفهام هنا للتعجب والإنكار . أي : وما الذي كان يصيبهم لو آمنوا باللّه إيمانا صحيحا يظهر أثره في العمل ، وفي هذا الأسلوب إثارة تعجيب الناس من حالهم ، إذ هم لو أخلصوا ؛ لما فاتتهم منفعة الدنيا ولفازوا مع ذلك بسعادة العقبى ؛ فكثيرا ما يفوت المرائي ما يرمى إليه من التقرب إلى الناس وامتلاك قلوبهم ، ويظفر بذلك المخلص الذي لم يكن من همه أن أحدا يعرف ما عمل ، فيكون الأول قد رجع بخفى حنين في حين أن الثاني فاز بسعادة الدارين . وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيماً . فينبغي للمؤمن أن يكتفى بعلم اللّه في إنفاقه ولا يبالي بعلم الناس ، فهو سبحانه الذي لا ينسى عمل العاملين ولا يظلمهم من أجرهم شيئا . * * * [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 40 إلى 42 ] إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ( 40 ) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ( 41 ) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ( 42 ) المفردات : المثقال : أصله المقدار الذي له ثقل مهما قل ، ثم أطلق على المعيار المخصوص للذهب وغيره . الذرّة : أصغر ما يدرك من الأجسام ومن ثم قالوا : إنها النملة ، أو رأسها ، أو الخردلة ، أو الهباء ( ما يظهر في نور الشمس الداخل من الكوة ) . ولذلك روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه أدخل يده في التراب ثم نفخ فيه فقال : كل واحدة من هؤلاء ذرة ! الظلم : النقص كما قال تعالى : كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً . ومن لدنه : من عنده . الحديث : الكلام . تمهيد : بعد أن بين عز اسمه صفات المتكبرين وسوء أحوالهم ، وتوعدهم على ذلك بأشد أنواع الوعيد ، زاد الأمر توكيدا وتشديدا فذكر أنه لا يظلم أحدا من العاملين بوصاياه لا قليلا ولا كثيرا ، بل يوفيه حقّه بالقسطاس المستقيم ، وفي هذا أعظم الترغيب لفاعلى البر والإحسان وحفز لهممهم على العمل ، وفي معنى الآية قوله : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ .