الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
72
تفسير كتاب الله العزيز
ثلاثة نفر : قرشيّان وثقفيّ ، أو ثقفيّان وقرشيّ ، كثير شحم بطونهم ، قليل فقه قلوبهم ، فدخلوا في أستار الكعبة . فتحدّثوا حديثا لم أفقهه ؛ فقال بعضهم لبعض : أترون أنّ اللّه يسمع ما نقول ؟ فقال أحدهم : لا يسمع شيئا . فقال الآخر : أراكم إذا رفعتم أصواتكم يسمع ، وإذا لم ترفعوا أصواتكم لم يسمع ، وقال الثالث : لئن كان يسمع منه شيئا إنّه يسمعه كلّه . قال فأقبلت إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فأخبرته ، فأنزل اللّه : ( وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ ، أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ ) . وقوله : ( ظَنَنْتُمْ ) أي : حسبتم « 1 » . قال : وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ : أي باعدكم من اللّه ، في قول بعضهم . وقال بعضهم : أهلككم . فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 23 ) . قال : فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا : أي يطلبوا إلى اللّه أن يخرجهم من النار إلى الدنيا ليؤمنوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ ( 24 ) : كقوله : فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( 35 ) « 2 » [ الجاثية : 35 ] . قال : * وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ : أي نسبنا لهم قرناء « 3 » ، يعني الشياطين . كقوله : أَ لَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ( 83 ) [ مريم : 83 ] أي : تزعجهم إزعاجا في معاصي اللّه . قال : فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ : قال الحسن : ( ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) أي : حبّ ما كان عليه آباؤهم من الشرك وتكذيبهم الرسل . ( وَما خَلْفَهُمْ ) تكذيبهم بالبعث . وقال الكلبيّ : ( ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ) : من أمر الآخرة ، فأخبروهم أنّه لا بعث ولا جنّة ولا نار ،
--> ( 1 ) وقع اضطراب وحذف لبعض الآية عند تفسير هاتين الآيتين في ق وع ، فاستعنت بمخطوطة ز لجعل كلّ شيء في مكانه وإتمام ما نقص حتّى يستقيم المعنى ويتّضح . ( 2 ) ( وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا ) أي : إن يطلبوا العتبى ، وهي الرضا ، فإنّهم لا يجابون إلى ما يطلبون . تقول : استعتبته فأعتبني : إذا طلبت منه أن يرضيك فأرضاك . ( 3 ) كذا في ق : « نسبنا » ، وفي ع : « سمّينا » ، وفي تفسير الطبري : « سببنا » . وكلّها متقاربة المعنى . يقال : قيّض اللّه فلانا لفلان : إذا جاء به وأتاحه له .