الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

35

تفسير كتاب الله العزيز

ذكروا عن عمّار بن ياسر قال : ادفنوني في ثيابي فإنّي مخاصم غدا . ذكروا عن عمرو بن العاص أنّه قال : كفّنوني في ثياب خلق فإنّي مخاصم غدا ، ثمّ قال : اللهمّ لا بريئا فأعتذر ، ولا قويّا فأنتصر ، غير أنّك لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 87 ) [ الأنبياء : 87 ] . ذكروا عن أبي رجاء العطارديّ وعقبة بن صهبان قالا : سمعنا الزبير بن العوّام يقول : لقد تأوّلت هذه الآية زمانا وما أحدّث نفسي أن أكون من أهلها ، فإذا نحن المعنيّون بها : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [ الأنفال : 25 ] . وفي تفسير الحسن : ( عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) : يتخاصم النبيّ والمؤمنون والمشركون « 1 » . قوله : * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ : أي افترى على اللّه كذبا وعبد الأوثان وزعم أنّ عبادتها تقرّب إلى اللّه . وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ : يعني القرآن الذي جاء به محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، أي : لا أحد أظلم منه « 2 » . أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ( 32 ) : أي يثوون فيها أبدا . والمثوى : المنزل . وهذا على الاستفهام ، أي : بلى ، فيها مثوى للكافرين . قوله : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ : أي محمّد جاء بالقرآن وَصَدَّقَ بِهِ : يعني المؤمنين ، صدّقوا بما جاء به محمّد « 3 » . أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 33 ) .

--> ( 1 ) كذا في ع ، وفي ز : « يخاصم النبيّ والمؤمنون المشركين » . ( 2 ) في ع : « لا أحد أكذب منه » ، وأثبتّ ما جاء في ز ورقة 299 ، فهو أصحّ وأنسب : « لا أحد أظلم منه » . ( 3 ) هذا وجه من وجوه التأويل . وقيل : إنّ الذي صدّق به هو الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم نفسه . وقيل : إنّه أبو بكر . وهو قول نسب إلى عليّ كرّم اللّه وجهه . فقد قال في خطبته التي رثى بها أبا بكر ما يلي : « صدّقت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين كذّبه الناس ، فسمّاك في تنزيله صدّيقا ؛ فقال : ( وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) » . انظر خطبته هذه التي أوردها الباقلّانيّ أبو بكر محمّد بن الطيب في كتابه : إعجاز القرآن ، ص 218 - 221 ، وهي من فصيح كلام العرب وبليغه . وقد جمع الطبريّ كعادته بين الأقوال كلّها فأحسن حين قال في تفسيره ، ج 24 ص 4 : « والصواب من القول في ذلك أن يقال : إنّ اللّه تعالى ذكره عنى بقوله : ( وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ) كلّ من دعا إلى توحيد اللّه وتصديق رسوله ، والعمل بما ابتعث به رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم من بين رسول اللّه وأتباعه والمؤمنين به ، وأن يقال : الصدق هو القرآن وشهادة أن لا إله إلّا اللّه ، والمصدّق به المؤمنون بالقرآن من جميع خلق اللّه كائنا من كان من نبيّ اللّه وأتباعه » .