الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

296

تفسير كتاب الله العزيز

ذكروا عن الحسن أنّه قال : ركوب النهي أشدّ من ترك الأمر . قال بعضهم : يعني بالأمر الذي فيه فضيلة ليس بسنّة لا تترك . قوله عزّ وجلّ : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ : أي أخرجهم المشركون من مكّة يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً : أي بالعمل الصالح وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ( 8 ) : أي في القول والعمل . وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ : أي وطّنوا الدار ، يعني المدينة وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ : يعني الأنصار . وكان إيمان الأنصار قبل أن يهاجر إليهم المهاجرون ، وكان إيمان المهاجرين قبلهم . قال تعالى : يُحِبُّونَ : يعني الأنصار مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا : أي ممّا أوتي المهاجرون ، أي ممّا آثروهم به « 1 » من الطعام والشراب وغير ذلك ، في تفسير الحسن . وقال بعضهم : ممّا قسّم للمهاجرين من [ أموال ] « 2 » بني النضير . قال تعالى : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ . ذكروا أنّ رجلا من المهاجرين قام ثلاثة أيّام صائما ، يمسي فلا يجد ما يفطر عليه ، فيصبح صائما حتّى فطن له رجل من الأنصار يقال له : ثابت بن قيس ، فقال لأهله : إنّي أجيء الليلة بضيف لي . فإذا وضعتم طعامكم فليقم أحدكم إلى السراج كأنّما يصلحه فليطفئه ، ثمّ اضربوا بأيديكم كأنّكم تأكلون ، ولا تأكلوا حتّى يشبع الضيف . فلمّا أمسى وضع أهله طعامهم ، فقامت امرأته إلى السراج كأنّها تصلحه فأطفأته . ثمّ جعلوا يضربون بأيديهم إلى الطعام كأنّهم يأكلون ولا يأكلون ، حتّى شبع ضيفهم . وإنّما كانت خبزة هي قوتهم . فلمّا أصبح ثابت غدا إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال له النبيّ عليه السّلام : يا ثابت ، لقد رضي اللّه فعلكم البارحة بضيفكم . وأنزلت فيه : ( وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ) أي : حاجة « 3 » .

--> ( 1 ) في ق وع : « أتوهم » ، وأثبتّ ما هو أصحّ وأبلغ : « آثروهم به » ، من مخطوطة ابن سلّام ، قطعة 180 . ( 2 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 3 ) حديث صحيح ، أخرجه البخاريّ في كتاب المناقب ، باب ( وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ) عن أبي هريرة . وقد أكّد الحافظ ابن حجر العسقلانيّ أنّ الصحابيّ الذي نزلت فيه هذه الآية إنّما هو أبو طلحة وليس ثابت بن قيس ، وردّ هذه الرواية التي أوردها ابن سلّام ، وذكره باسمه يحيى بن سلّام . -