الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

286

تفسير كتاب الله العزيز

قال عزّ وجلّ : أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 15 ) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ : أي حلفهم جنة : وهو كقوله : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ( 1 ) [ المنافقون : 1 ] . وذلك أنّهم قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّا إذا أتينا المشركين شهدنا إنّك لرسول اللّه ، فكذّبهم اللّه في الذي قالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فقال عزّ وجلّ : ( إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ) أي : إنّا شهدنا بذلك عند المشركين . قال عزّ وجلّ : ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ) أي فيما ذكروا لك أنّهم يشهدون عند المشركين إنّك لرسوله . وكانوا يحلفون للنبيّ وللمؤمنين ليصدّقوهم ، فقال : ( اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ ) أي حلفهم لك ( جُنَّةً ) اجتنّوا بها منكم ، وأسرّوا نفاقهم ولم يظهروه . لكي لا يقتلوا [ ولا تسبى ذرّيّتهم ولا تؤخذ أموالهم ] « 1 » ، إذا أظهروا نفاقهم لأنّهم يعلمون أنّ الحكم فيهم - إذا أظهروا نفاقهم - القتل . كقوله تعالى : * لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا ( 60 ) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا ( 61 ) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ [ الأحزاب : 60 - 62 ] أي : هكذا سنّة اللّه في منافقي كلّ أمّة خلت من قبل : القتل إن لم ينتهوا عن إظهار نفاقهم . وكذلك سنّته في منافقي أمّتك إن لم ينتهوا عن إظهار نفاقهم . قال تعالى : فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ : أي عن الإسلام ، كانوا يصدّون عنه . قال : فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ( 16 ) : أي من الهوان في عذاب جهنّم . لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 17 ) . قال تعالى : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً : أي يوم القيامة فَيَحْلِفُونَ لَهُ : أي إنّهم كانوا في الدنيا مؤمنين ، أي : بالآخرة ، بالإقرار الذي كان منهم كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ أنتم في الدنيا فتقبلون منهم وَيَحْسَبُونَ : أي يحسب المنافقون أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ : أي أنّ ذلك يجوز لهم عند اللّه كما جاز لهم عندكم في الدنيا إذا أقرّوا بإقراركم ، وادّعوا ملّتكم ، فقالوا : إنّهم مؤمنون

--> ( 1 ) زيادة من ز ، ورقة 355 .