الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
217
تفسير كتاب الله العزيز
عروة بن الزبير عن عائشة أنّ النبيّ عليه السّلام كان أوّل شأنه أنّه يرى في المنام . فكان أوّل ما رأى جبريل بأجياد ، إنّه خرج لبعض حاجته ، فصرخ به جبريل : يا محمّد ، يا محمّد ! فنظر يمينا وشمالا فلم ير شيئا . فرفع بصره ، فإذا هو بجبريل يلقي إحدى رجليه على الأخرى على أفق السماء . قال : يا محمّد ، جبريل ، جبريل ، يسكنه . فهرب محمّد عليه السّلام حتّى دخل في الناس ، فلم ير شيئا . ثمّ خرج فنظر فرآه . وذلك قول اللّه عزّ وجلّ : ( وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى ) ، أي جبريل إلى محمّد ( فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ) . ويقال : إن ألقاب نصف الإصبع ، وبعضهم يقول : ذراعين ، كان بينهما . ( فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ) ، أي : جبريل إلى محمّد عليهما السّلام . وكانت عائشة رضي اللّه عنها تنكر أنّ محمّدا رأى ربّه . وكان عروة ينكر ذلك إنكارا شديدا . قال : وكان المسلمون ينكرون ذلك إنكارا شديدا . قال : وبيان ذلك في سورة فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ( 15 ) في قوله تعالى : فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ( 15 ) الْجَوارِ الْكُنَّسِ ( 16 ) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ( 17 ) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ ( 18 ) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 19 ) أي : جبريل ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ( 20 ) مُطاعٍ ثَمَّ أي : في السماء أَمِينٍ ( 21 ) أي : على ما أتى به من الوحي وَما صاحِبُكُمْ يعني محمّدا عليه السّلام بِمَجْنُونٍ ( 22 ) وَلَقَدْ رَآهُ أي رأى محمّد جبريل بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ( 23 ) [ التكوير : 15 - 23 ] . قوله عزّ وجلّ : ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى ( 11 ) : وهي تقرأ على وجهين : بالتثقيل والتخفيف ؛ فمن قرأها بالتثقيل فهو يقول : ما كذب فؤاد محمّد ما رأى من ملكوت السماوات وآياته . ومن قرأها بالتخفيف فهو يقول : ما كذب فؤاد محمّد ما رأى ، قد صدق الرؤية فأثبتها « 1 » . أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ( 12 ) : وهي تقرأ على وجه آخر : ( أَ فَتُمارُونَهُ ) فمن قرأها : ( أَ فَتُمارُونَهُ ) يقول للمشركين : أفتمارون محمّدا عليه السّلام ، أي : أفتجادلونه على ما يرى ؟ يجعل المراء منهم . ومن قرأها : ( أَ فَتُمارُونَهُ ) فهو يثبت المراء منهم خاصّة وينفيه عن محمّد عليه السّلام . وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ( 13 ) : أي مرّة أخرى ، أي رأى جبريل في صورته مرّتين « 2 » .
--> ( 1 ) كذا جاء في ق وع ، وهو الصواب ، وانظر معاني الفرّاء ، ج 3 ص 96 . ( 2 ) جمهور المفسّرين على أنّ الضمير في قوله تعالى : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ) راجع إلى جبريل الذي كنّي عنه في -