الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

159

تفسير كتاب الله العزيز

قال اللّه عزّ وجلّ : قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا : أي أن يهلككم بنفاقكم « 1 » فيدخلكم النار . أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً : أي : أن يرحمكم بالإيمان ، أي : يمنّ عليكم . وقد أخبر نبيّه بعد في غير هذه الآية أنّه لا يتوب عليهم في قوله : وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ أي : وتموت أنفسهم ، أي يموتون . وَهُمْ كافِرُونَ ( 55 ) [ التوبة : 55 ] . وقال : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [ المنافقون : 6 ] . قال : بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 11 ) . قوله : بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً : قد ذكرنا تفسير الكلبيّ أنّه يوم الحديبيّة . وقال الحسن : كان ذلك في غزوة تبوك . كان المنافقون يقولون : لن يرجع محمّد والمؤمنون إلى المدينة أبدا ، ويهلكون قبل أن يرجعوا ويهلك دينهم . قال : وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ : وهو مثل قوله : الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [ الفتح : 6 ] أي : ظنّوا أنّ محمّدا وأصحابه سيهلكون ويهلك دينهم . قال : وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً ( 12 ) : أي فاسدين « 2 » . قال : وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ : أي إنّهم لم يؤمنوا باللّه ورسوله فيوفوا بما عاهدوا عليه ، ويكملوا فرائض الإيمان بالقول والعمل . قال : فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً ( 13 ) : أي فهم كفّار ، وقد اعتدنا للكافرين سعيرا . فسمّاهم كافرين إذ لم يكملوا فرضه ويوفوا بعهده في القول والعمل . وقال في آية أخرى : ( أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ . . . ) إلى آخر الآية [ الحشر : 11 ] . قوله عزّ وجلّ : وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ : أي إنّه لا يشاء أن يغفر إلّا لمن تاب من الشرك وبرئ

--> ( 1 ) في ق وع : « أن يهلككم ويعاقبكم » ، ويبدو أنّ في الكلمة تصحيفا صوابه ما أثبتّه من ز . ( 2 ) كذا في ق وع وز : « ( بُوراً ) أي فاسدين » . وقال الفرّاء في المعاني ، ج 3 ص 66 : « عن ابن عبّاس قال : البور في لغة أزد عمان : الفاسد ، ( وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً ) : قوما فاسدين . والبور في كلام العرب : لا شيء . يقال : أصبحت أعمالهم بورا ومساكنهم قبورا » . وقال أبو عبيدة معمر في المجاز ، ج 2 ص 217 : « ( وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً ) هلكى » . وهو ما ذهب إليه مجاهد أيضا فقد جاء في تفسيره ص 630 : « يقول : كنتم قوما هالكين » ويبدو لي أنّ هذا التأويل الأخير هو أقرب إلى أصل المعنى اللغويّ للكلمة ، فالبوار هو الهلاك . وانظر اللسان ( بور ) .