الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

156

تفسير كتاب الله العزيز

تفسير سورة الفتح ، وهي مدنيّة كلّها بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قوله : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ( 1 ) : قال بعضهم : هو فتح مكّة . وقال الكلبيّ : هو فتح يوم الحديبيّة « 1 » . ظهر فيه نبيّ اللّه على المشركين بعد حبس الهدي أن يبلغ محلّه ، وظهر عليهم المسلمون حتّى دخلوا دورهم وسأل المشركون الصلح . وتفسير هذا الظهور بعد هذا الموضع . وتفسير مجاهد : أنّه نحره بالحديبيّة وحلقه رأسه . ذكروا عن أنس بن مالك أنّ هذه الآية لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 2 ) : نزلت على النبيّ عليه السّلام مرجعه من الحديبيّة ، وأصحابه مخالطو الحزن والكآبة ، قد حيل بينهم وبين مناسكهم ، ونحروا الهدي بالحديبيّة ، فقال : لقد نزلت عليّ آية لهي أحبّ إليّ من الدنيا جميعا « 2 » . فتلاها عليهم رسول اللّه فقال رجل من القوم : هنيئا مريئا لك يا رسول اللّه ، لقد بيّن اللّه لنا ما يفعل بك ، فما ذا يفعل بنا . فأنزل اللّه ( لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ . . . ) إلى آخر الآية . قال اللّه تعالى : وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً ( 3 ) : أي يذلّ بك أعداءك . هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ : أي الطمأنينة والوقار ، في تفسير الحسن . وقال مجاهد : السكينة من أمر اللّه كهيئة الريح . قال تعالى : فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ : أي يقينا مع يقينهم ، يعني تصديقا مع تصديقهم ، أي : يصدّقون بكلّ ما نزل من القرآن . وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ : ينتقم لبعضهم من بعض وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 4 ) .

--> ( 1 ) وحديث البراء بن عازب في صحيح البخاري ، كتاب المغازي ، باب غزوة الحديبيّة يؤيّده ؛ « قال : تعدّون أنتم الفتح فتح مكّة ، وقد كان فتح مكّة فتحا ، ونحن نعدّ الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبيّة . . . » وانظر الجمع بين هذه الأقوال في فتح الباري ، ج 7 ص 441 - 442 . وسمّيت الحديبيّة كذلك باسم بئر بها ، وهي على مرحلة من مكّة وعلى تسع مراحل من المدينة ، انظر : ياقوت معجم البلدان ، ج 2 ص 229 . ( 2 ) انظر ما سلف قريبا في هذا الجزء ، تفسير الآية 9 من سورة الأحقاف ، وانظر الواحدي ، أسباب النزول ، ص 403 - 405 .