الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

13

تفسير كتاب الله العزيز

ظلّه فنقضت شعرها فغطّاها . فزاده ذلك عجبا بها . ثمّ أرسل غلاما له فقال : اتّبع هذه المرأة فاعلم من هي ، أو ابنة من هي ، وهل لها زوج . فاتّبعها الغلام حتّى عرفها فرجع فقال : هي ابنة فلان ، وزوجها فلان ، وكان يومئذ مع ابن أخت داود في بعث . فكتب داود إلى ابن أخته : أن ابعث فلانا [ واجعله بين يدي التابوت ] « 1 » فلا يرجع حتّى يفتح المدينة أو يقتل . فبعثه فقتل . فلمّا انقضت عدّة المرأة أرسل إليها فتزوّجها ، وهي أمّ سليمان بن داود . فلمّا علم اللّه ما وقع في عبده « 2 » أحبّ أن يستنقذه ، فأرسل إليه ملكين ، فأتياه في المحراب ، والحرس حول المحراب ، وهم ثلاثة وثلاثون ألفا . فرأى داود الرجلين قد تسوّروا المحراب ، ففزع منهما وقال : لقد ضعف سلطاني حتّى إنّ الناس تسوّروا محرابي . فقال أحدهما : ( لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ . . . ) إلى قوله : ( وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ ) . تفسير هذا المقرإ عند الكلبيّ : إن دعا دعوة يكون أكثر نداء منّي ، وإن بطش بطشه يكون أشدّ بطشا منّي . فقال له داود : ( لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ . . . ) إلى : ( وَقَلِيلٌ ما هُمْ ) . فنظر أحدهما لصاحبه فضحكا ، وعلما أنّ داود لم يفطن ، فرجعا من حيث أقبلا . قال اللّه : ( وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ . . . ) إلى آخر الآية . فسجد داود أربعين يوما وأربعين ليلة لا يأكل ولا يشرب ، ولا يرفع رأسه ، ولا يقوم ، ولا يفتر من الدعاء . فتاب اللّه عليه . قال اللّه : ( فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ ) . وقد فسّرناه قبل هذا الموضع « 3 » .

--> ( 1 ) وردت الجملة مضطربة فاسدة في ع ، فصحّحتها بهذه الزيادة من نهاية الأرب للنويري ، ج 14 ص 61 . ( 2 ) وردت العبارة في ع هكذا : « فلمّا علم ذلك ما وقع في عبده » ، وهي عبارة فاسدة صحّحتها قدر الإمكان ، ولست مطمئنّا إليها ، فعلم اللّه تعالى قبل كلّ شيء وبعد كلّ شيء . ( 3 ) ما ذكره القصّاص وأورده بعض المفسّرين في كتبهم كالثعلبيّ ، ومؤلّفنا هذا أحيانا من غير تنبيه على فساده ، إنّما هو من قبيل الإسرائيليّات ، وننزّه مقام الأنبياء أن ينسب إليهم مثل هذا . وقد بيّن المحقّقون من المفسّرين كذب هذه القصص ودحضوا أباطيلها بحجج دامغة لا تبقي مجالا للشكّ في أنّ هذه القصص من وضع الكائدين للإسلام ، ورواية الساذجين من المفسّرين . وواجبنا أن نقف عند حدود النصّ القرآنيّ لا نتعدّاه ، والسنّة الصحيحة التي ثبتت عن الصادق الأمين ، لا نزيد عليها ، في مثل هذه المواضيع . أمّا تفاصيلها فنكل الأمر فيها إلى اللّه سبحانه وتعالى . انظر مثلا : الزمخشري ، الكشّاف ، ج 4 ص 81 ، والفخر -