الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
127
تفسير كتاب الله العزيز
[ أمر اللّه المؤمنين أن يغفروا لهم ] « 1 » ، وهي منسوخة ، نسختها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [ التوبة : 5 ] قال : لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 ) : أي يعملون ؛ يجزي المؤمنين بحلمهم عن المشركين ، ويجزي المشركين بشركهم ، وكان هذا قبل أن يؤمروا بقتالهم ، ثمّ نسخ بالقتال . قوله : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ : أي يجده عند اللّه وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها : أي فعلى نفسه . ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ( 15 ) يوم القيامة . قوله : وَلَقَدْ آتَيْنا : أي أعطينا بَنِي إِسْرائِيلَ : أي أنزلنا عليهم الْكِتابَ وَالْحُكْمَ : قال بعضهم : الحكمة وهي السّنّة « 2 » . وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ : أي ما أحلّ اللّه لهم . وقال بعضهم : المنّ والسلوى . وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ ( 16 ) : أي : على عالم زمانهم الذي كانوا فيه ، ولكلّ زمان عالم . قال : وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ : أي إنّهم أرادوا الدنيا ورخاءها ، فغيّروا كتابهم ، فأحلّوا فيه ما شاءوا ، وحرّموا فيه ما شاءوا ، فترأّسوا على الناس ليستأكلوهم ، واتّبعوهم على ذلك . كقوله : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ [ التوبة : 31 ] أي : يحلّون لهم ما حرّم اللّه عليهم فيستحلّونه ، ويحرّمون عليهم ما أحلّ اللّه لهم فيحرّمونه . قال : إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 17 ) :
--> ( 1 ) زيادة من ز ، ورقة 321 . ( 2 ) هذا وجه من وجوه تأويل معنى الحكمة بالسنّة . ويبدو أنّ المؤلّف فسّر هنا كلمة الحكمة كما جاءت مكتوبة خطأ في مخطوطة ق ، فإن كان ذلك كذلك ، فهو خطأ ، لأنّ ما ورد في الآية هنا إنّما هو ( الحكم ) لا الحكمة . نعم ، إنّ كلمة ( الحكم ) قد تدلّ أحيانا على معنى الحكمة كما في قوله تعالى : وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا [ مريم : 12 ] أي : الفهم واللبّ والعلم كما ذكره المفسّرون . ولكن قد يراد بالحكم أيضا الحكم على الناس والملك والسلطان . ولعلّ هذا المعنى يكون أولى بالصواب هنا ، يؤيّده قوله تعالى : ( وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ ، أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً . . . ) [ المائدة : 20 ] . وقال القرطبيّ في تفسيره ، ج 16 ص 162 : « ( الْحُكْمَ ) الفهم في الكتاب ، وقيل : الحكم على الناس والقضاء » . وهذا المعنى الأخير هو الراجح عندي ، واللّه أعلم .