الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
225
تفسير كتاب الله العزيز
وشكوا إلى نوح في السفينة الزبل ، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى نوح أن يمسح بيده على ذنب الفيل ، ففعل ؛ فخرج منه خنزيران كانا يأكلان الزبل . وشكوا إليه الفأر ، فأوحى اللّه إلى الأسد ، أي ألقى في قلبه ، مثل قوله تعالى : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ [ النحل : 68 ] ، فعطس الأسد فخرج من منخريه سنّوران فكانا يأكلان الفأر . وشكوا إلى نوح عرامة « 1 » الأسد ، فدعا عليه نوح فسلّط اللّه عليه الحمّى ، فقال له نوح : « ازناتاعت لسري » وهي بالسريانيّة . فقال له نوح : أيّها الأسد : أتريد لحما ؟ فأومأ الأسد : لا « 2 » . قوله : وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ : أي الغضب ، وهو ابنه الذي غرق ، وقال الحسن : مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ أي : كل من غرق يومئذ . وقال الحسن : وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ : يقول : احمل أهلك ومن آمن ، وهم الذين كانوا في السفينة ، هم أهله ، وهم الذين آمنوا إلّا من سبق عليه القول . قال : وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ( 40 ) : قال بعضهم : لم ينج في السفينة إلّا نوح وامرأته وثلاثة بنين له : سام وحام ويافث ونساؤهم ، فجميعهم ثمانية . ذكروا عن الحسن أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : سام أبو العرب ، وحام أبو الروم ، ويافث أبو الحبش « 3 » .
--> ( 1 ) عرامته : شدّته وقوّته وشراسته . ( 2 ) هذه الأخبار التي تروى حول سفينة نوح عليه السّلام ، وشكلها ، وحمولتها ، هي ولا شكّ من قبيل الإسرائيليّات ، ومن أحاديث القصّاص المولعين بسرد الأساطير وغرائب الأخبار ، ولا يمكن أبدا أن تكتسب أيّ صبغة علميّة ، أو قيمة إخباريّة . ولولا أمانة النقل لما جاز لعاقل أن يسوّد بها صحيفة ، أو يجري بها قلما في كتاب . وإنّ المؤمن الغيور على دينه ليأسف كلّ الأسف أن يجد بعض هذه الأخبار مبثوثة في بعض كتب التفسير والحديث ، وهي مناكير لا يمكن أن يثبت بها شيء عن الصادق المصدوق عليه السّلام . وإنّه ليخجل أن يجدها منسوبة إلى بعض أعلام الصحابة أو التابعين ممّن لهم قدم راسخة في تأويل كلام اللّه . على أنّ هذا يجب أن لا يصرف همم طلّابنا وشبابنا المسلم عن قراءة هذه النفائس من تراث الأوائل في التفسير والحديث أو التاريخ ، وإن وجدوا أحيانا في بعضها ما يبدو لهم كذبا منكرا ، أو تافها بسيطا . فإنّ هذه النفائس من تراث الأوائل ، وعطائهم الفكريّ الأصيل هي التي تفتّق أذهانهم ، وتكسبهم مهارة في تفهّم كلام اللّه لمعالجة مشاكل العصر على ضوء كتاب اللّه عزّ وجلّ ، وسنّة النبيّ عليه السّلام . ( 3 ) أخرجه الترمذيّ في كتاب التفسير ، في سورة الصافّات عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم -