الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
200
تفسير كتاب الله العزيز
مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً : أي بذلك إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ : أي في ذلك العمل أجمع وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ : أي وما يضلّ عن ربّك ، وبعضهم يقول : وما يغيب عن ربّك مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ : أي وزن ذرّة « 1 » فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ : أي حتّى لا يعلمه ولا يعلم موضعه وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 61 ) : أي بيّن عند اللّه . يحذّر اللّه العباد ويخبرهم أنّه شاهد لأعمالهم . قوله : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) : أي في الآخرة . الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 63 ) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . ذكروا عن عمرو بن دينار قال : قدم علينا فقيه من أهل مصر فسألته عن هذه الآية فقال : سألت عنها أبا الدرداء فقال : سألت عنها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : هي الرؤيا الحسنة يراها المؤمن أو ترى له « 2 » . قال : وَفِي الْآخِرَةِ : يعني الجنّة . وتفسير الحسن : يبشّرهم اللّه في القرآن بالجنّة ، كقوله : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [ البقرة : 25 ] . وقال : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ يونس : 2 ] وقال : وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً ( 47 ) [ الأحزاب : 47 ] أي الجنّة . قال : لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 64 ) : أي الجنّة ، على الكلام الأوّل ، على قوله : ( لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ ) .
--> ( 1 ) قال أبو عبيدة في مجاز القرآن ، ج 1 ص 278 : ( وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ ) أي : ما يغيب عنه . ويقال : أين عزب عقلك عنك ؟ . ( مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ ) أي : زنة نملة صغيرة ، يقال : خذ هذا فإنّه أخفّ مثقالا ، أي : وزنا » . ( 2 ) أخرجه أحمد ، وأخرجه ابن جرير الطبريّ من عدة طرق عن أبي الدرداء وعن عبادة بن الصامت في تفسيره ، ج 15 ص 125 - 140 . وفي ز ورقة 140 جاء الحديث بالسند التالي : « يحيى عن أميّة عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة أنّ عبادة بن الصامت سأل نبيّ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن هذه الآية فقال : هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له » .