الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي

175

تفسير كتاب الله العزيز

قوله : ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ : وهذا في غزوة تبوك وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ : يعني من خرج منهم لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ : أي عطش وَلا نَصَبٌ : أي في أبدانهم وَلا مَخْمَصَةٌ : أي جوع تخمص له بطونهم فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 120 ) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 121 ) . ذكروا أنّ المجاهد إذا خرج من بيته جعل ذنوبه جسرا على باب بيته ، فإذا خرج قطعها ، فيكون من ذنوبه كيوم ولدته أمّه ؛ فما من خطوة يخطوها إلّا كتب له بها سبعمائة حسنة ، ولا بطشة يبطشها ، ولا عمل يعمله إلّا كتب له سبعمائة حسنة ، فإن مات أو قتل كان على الأرض حراما حتّى يرى مقعده في الجنّة ، ويغفر له كلّ ذنب هو له .

--> - المعيّة في اتّباع المهاجرين في هجرتهم إلى المدينة ، فإنّ صفة الصدق وردت في الآية بصيغة العموم ، فيجب أن تحمل على أوسع معانيها . وكلام اللّه موجّه إلى كلّ المؤمنين في كلّ زمان ومكان . ومن أولى معاني الصدق في الآية الصدق في الحديث والتنزّه عن الكذب في كلّ شيء . وذلك ما أدركه كعب بن مالك حين قال بعد ما روى قصّة المخلّفين الثلاثة ، وهو أحدهم : « قلت يا رسول اللّه ، إنّ اللّه إنّما أنجاني بالصدق ، وإنّ من توبتي ألّا أحدّث إلّا صدقا ما بقيت » . وقال : « فو اللّه ما علمت أحدا من المسلمين أبلاه اللّه في صدق الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول اللّه عليه السّلام أحسن ممّا ابتلاني ؛ واللّه ما تعمّدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى يومي هذا . وإنّي أرجو أن يحفظني اللّه فيما بقي » . وقال : « واللّه ما أنعم اللّه عليّ من نعمة قطّ بعد أن هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ألا أكون كذبته ، فأهلك كما هلك الذين كذبوه » . وهو ما فهمه أيضا ابن مسعود رضي اللّه عنه فقال : « إنّ الكذب لا يحلّ منه جدّ ولا هزل وقرأ : ( اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) . وانظر : الطبري في تفسيره ، ج 14 ص 559 - 560 ، وفيه أنّ قراءة ابن مسعود كانت : ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ) ، وزاد فيه : « فهل ترون في الكذب رخصة » . وهكذا من تأمّل في قصّة المخلّفين الثلاثة ، وتدبّر ما كان من أمر كعب بن مالك خاصّة ، وحديثه للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بعد نزول توبته ، أدرك أنّ معنى الصدق هنا ينصرف أوّلا إلى الصدق في الحديث . ثمّ ، بعد ذلك ، الصدق في النية والعمل ، وأنّ الخطاب موجّه إلى كافّة المؤمنين في كلّ زمان ومكان بدون تخصيص .