الشيخ هود بن محكم الهواري الأوراسي
18
تفسير كتاب الله العزيز
البوادي ، أو حتّى في المغارات إذا اختلّ الأمن ، واضطربت الأمور ، وخيفت الفتن . إنّ المصادر لا تفصّل لنا شيئا من هذا عندما تحدّثت عن الشيخ هود ، ولكنّنا نتصوّره اعتمادا على طريقة التعلّم التي نقرأ أوصافها في كتب سير الإباضيّة . فكثيرا ما كان الشيخ يتنقّل بطلبته في بعض فصول السنة إلى البوادي والأرياف ، وتتواصل الدراسة هناك في أوقات من ليل أو نهار ، تحت ظلال الأشجار ، أو تحت الخيام ، أو تحت أديم السماء ، في حياة كلّها جدّ ونشاط وعمل دائب من دروس علميّة للخاصّة ، أو مواعظ للعامّة . وكتب تؤلّف وتستنسخ ، ومجالس تنتظم للمناظرة في مختلف العلوم والفنون « 1 » . وقد دلّت كلمة الإمام أفلح التي أوردها ابن الصغير أن محكّما عاش في البادية ، كما أسلفنا . وأفادت كلمة أخرى أوردها الشمّاخيّ في ترجمة الشيخ هود الهوّاريّ أنّ هذا الأخير بعث رجلا من ملازميه إلى « حيّ هنالك من أحياء مزاتة . . . » « 2 » كما أن عبارة البكري التي سلفت تبيّن أنّ حياتهم كانت « بين ظعن وإقامة » : ظعن في الشتاء إلى البادية « خوفا على نتاج إبلهم » ، وإقامة بقراهم في جبل أوراس أثناء الربيع والصيف وأوائل الخريف « 3 » . في ظلّ هذه الحياة يكون الشيخ هود قضى فترة صباه ، وشيئا غير قليل من شبابه في بلده ، وفي موطنه بأوراس يكون قد أخذ جلّ علومه . فهل خرج الفتى هود من بلده في رحلة لطلب العلم ؟ . أنا لا أستبعد ذلك ، بل إنني أميل إليه وأكاد أجزم به . ذلك أنّ مركزين عظيمين كانا في ذلك العهد بإفريقية يشعّان بأنواع المعرفة عامّة ، وبالعلوم
--> ( 1 ) انظر الإشارة إلى ذلك في المقدّمة التي كتبها المرحوم الشيخ عبد الرحمن بكلّي لكتاب الدرجيني : طبقات المشايخ بالمغرب ، ص : د - ه . وشبيه بهذه الحياة ما يروى عن حياة أهل جبل نفوسة ؛ فقد كان علماؤهم يتنقّلون في أيّام الصيف والخريف مع تلاميذهم إلى الأرياف يجنون التين والزيتون دون أن تتوقّف الحياة العلميّة ، بل إنّها تستمرّ وتزدهر في مجالس المناظرة وحلقات الدروس وتأليف الدواوين . ويشبه هذا أيضا ما كان قصّه علينا أستاذنا المرحوم الإمام إبراهيم بيّوض من أنّ شيخه الحاج عمر بن يحيى كان ينتقل ببعض طلبته من القرارة إلى وارجلان في فصل الخريف ، وأنّ حلقات الدروس كانت تستمرّ بانتظام أثناء رحلتهم وطوال مدّة إقامتهم . ( 2 ) الشمّاخي ، السير ، ط . حجريّة ، ص 381 . ( 3 ) البكري ، المغرب ، ص 145 .