الشيخ محمد علي السايس

28

تفسير آيات الأحكام

فيها تعظيم الكواكب ، ويزعمون أنهم بهذه الرقى يفعلون ما يشاءون في غيرهم من غير مماسّة ولا ملامسة ، وكانت السحرة تحتال بحيل تموّه على العامة إلى اعتقاد صحته ، ومعتقد ذلك يكفر من وجوه : أحدها : التصديق بوجوب تعظيم الكواكب وتسميتها آلهة . ثانيها : الاعتقاد بأن الكواكب تقدر على الضرر والنفع . ثالثها : أن السحرة تزعم أنها تقدر على معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . فبعث اللّه ملكين يبيّنان للناس حقيقة ما يدّعون بطلانه ، ويكشفان لهم عن وجوه الحيل التي يخدعون بها الناس ، وينهيانهم عن العمل بها ، يقولان إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فكانا يعلّمانهم للتحرّز لا للعمل ، وما في ذلك بأس ، قيل لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : فلان لا يعرف الشر ، قال : أجدر أن يقع فيه ، وقد قيل : عرفت الشرّ لا للشرّ * لكن لتوقّيه ومن لا يعرف الش * رّ من النّاس يقع فيه ثم قال : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وهذا ذم لمن يتعلم ليضرّ به ، لا ليتوقى به ، والتفريق بين المرء وزوجه بالسعاية والنميمة والوجوه الخفية التي من جنس ما ذكر في الحكاية المتقدمة . وقد روي عن الحسن « 1 » أنه كان يقرأ : وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بكسر اللام ، ويقول : كانا علجين أقلفين ، يأمران بالسحر ويتمسكان به ، وقيل : إن ( ما ) للجحد والمعنى : ولم ينزل على الملكين ببابل . وقيل : إنّ « ما أنزل » عطف على ملك سليمان ، والمعنى : واتّبعوا ما تكذب به الشياطين على ملك سليمان ، وما أنزل على الملكين ، فكما كذبوا على ملك سليمان كذبوا أيضا على ما أنزل على الملكين ، لا أنهما أنزلا ليعلّمان الناس السحر ، ويكون قوله : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما أي من السحر والكفر ، لأن قوله : وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يتضمن الكفر ، فيرجع إليهما . قوله : سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى ( 10 ) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ( 11 ) [ الأعلى : 10 ، 11 ] أي الذكرى . وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ . معناه أن الملكين لا يعلمان ذلك أحدا ، ومع ذلك لا يقتصران على ألا يعلماه حتى يبالغا في نهيه ، فيقولان : إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ وكل هذا للفرار من أنّ اللّه أنزل على الملكين السحر مع ذمه السحر والساحر ، وقد علمت أنه أنزل عليهما ليعلم الناس حيل السحرة وخدعهم .

--> ( 1 ) الحسن بن يسار البصري ، سيد التابعين ، ولد في المدينة كان إماما توفي سنة ( 110 ه ) انظر الأعلام للزركلي ( 2 / 226 ) .