محمد محمود حجازي
16
التفسير الواضح
إذا قدم من الشام وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فأتوا النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا : يا رسول اللّه ، قد بنينا مسجدا لذي الحاجة ، والعلة ، والليلة المطيرة ، ونحب أن تصلى لنا فيه وتدعو بالبركة إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّى على سفر وحال شغل فلو قدمنا لأتيناكم وصلّينا لكم فيه » : فلما انصرف من تبوك وهم بالذهاب إلى مسجد الضرار نزلت هذه الآيات . فدعا النبي مالك بن الدخشم وغيره فقال : « انطلقوا إلى هذا المسجد الظّالم أهله فاهدموه وأحرقوه » . وقد تم ذلك ، والذين بنوا مسجد الضرار كانوا اثنى عشر منافقا من الأوس والخزرج . المعنى : والذين اتخذوا مسجدا لأغراض ستأتي جزاؤهم معروف ، إذ كان غرضهم بالبناء ما سجله القرآن عليهم وهو : ( أ ) أنهم اتخذوه محاولين إيقاع الضرر بالمؤمنين ( الذين بنى لهم رسول اللّه مسجد قباء قبل دخوله المدينة ) وهؤلاء بنوا مسجدهم بجوارهم لإيقاع الضرر بهم والفتنة لهم . ( ب ) واتخذوه للكفر وتقويته والاجتماع لتدبير ما يكرهه اللّه ورسوله . فكان عش الفتنة ، وبيت النفاق ، ويقول المنافق : صليت فيه وما صلى ، والكفر يطلق على الاعتقاد والعمل المنافيين للإيمان . ( ج ) وبنوه للتفريق كذلك بين المؤمنين فإنهم كانوا يصلون في مسجد واحد ، فأصبحوا متفرقين في مكانين . ( د ) واتخذوه إرصادا وانتظارا لقدوم من حارب اللّه ورسوله حتى إذا قدم وجد المكان مهيأ ووجد أصحابه مستعدين لمحاربة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . وقد اتفق المفسرون على أن الذي أغراهم ببناء هذا المسجد هو أبو عامر الراهب من الخزرج ، وحكموا أنه كان رجلا تنصر في الجاهلية وعلم علم أهل الكتاب وكانت له مكانة في قومه - فلما قدم النبي المدينة ، واجتمع المسلمون حوله وأصبح للإسلام كلمة - أكل الحسد قلب الرجل ، وأعلن الحرب على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وأقسم ليحاربنه مع كل من يحاربه ، وقد حاربه في أحد وحنين ، ولما رأى نور الإسلام يرتفع ارتفاع