محمد محمود حجازي
6
التفسير الواضح
والأمر الثاني : أن أكثر الناس اتجهوا إلى القرآن الكريم وكأنهم سئموا هذا التخبط الشائن والاضطراب المعيب ، ورأوا بأنفسهم أن القوانين الوضعية لم تفلح في منع الجرائم وفي الحفاظ على الحقوق ، بل كأنهم شبعوا حتى أتخموا من هذه الحياة المادية الصرفة ، فتلفتوا حيارى إلى منقذ لهم مما هم فيه إلى طريق يكون لهم فيه نور وهدى ، فتذكروا أن القرآن العظيم فيه المخلص ، وهو المنقذ والموصل إلى ما يبتغون من استقرار ، فبه ضمان لحياة نافعة تقوم على أن يؤدى كل واجبه كاملا ويأخذ حقه غير منقوص . أليس القرآن هو الدستور الذي أنقذ الأمة العربية من جاهلية حمقاء إلى أمة إسلامية لها كيان معترف به ولها عزة وحضارة وعلم . ولم لا يكون كذلك ؟ وقد كفل القرآن أن يسعد الناس في حاضرهم ومستقبلهم ولم يترك شأنا فيه خير لهم إلا قال فيه وفصل القول بما لا يدع شبهة لمبطل أو ادعاء لمتطاول ، وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ . وبعد : فهذا هو القرآن الكريم ، بل هو الهدى والنور ، كتب شرحه بلغة سهلة واضحة لا تعمق فيها ولا إبعاد ، خالية من الاصطلاحات العلمية الفنية ، تفسر للشعب كل ما فيه من صوغ المعنى الإجمالي للآية ، بلغة العصر ، مع البعد عن الحشو والتطويل والخرافات الإسرائيلية . والاعتدال في الرأي ، فلم يهدم كل قديم ، ولم يرفع كل جديد « وإن يكن لكل فارس كبوة » . ولا طاقة للناس الآن بالإطالة فيما لا شأن له بأصل الغرض من التفسير ، إذ المهم أن يفهم القرآن أكبر عدد ممكن من المسلمين . ألم يأن للحق أن يدحض الباطل كما دحضه في صدر الإسلام ؟ وقد يكون ما تراه من الجمعيات الإسلامية والمؤاخاة الدينية جذوة فيها ضوء يسطع ليبصر من أراد أن يسعد عاجلته وآجلته ، وفيها نار تحرق هؤلاء الشياطين الذين لم يستحوا من اللّه ولا من الحق ؛ فجعلوا من جاههم ونفوذهم حربا على الإسلام إبقاء على زخرف كاذب وفرارا من حقوق إخوانهم في الدين والإنسانية قبلهم . وها نحن الآن قد عزمنا - والعون من اللّه وحده - على الكتابة في التفسير على أن يخرج الجزء الأول ثم الذي يليه وهكذا ، فإن كان في العمر بقية ومن اللّه تأييد تم هذا العمل الذي نقصد به وجه اللّه .