محمد محمود حجازي

24

التفسير الواضح

وإذا كان هذا شأن الرب - سبحانه - فاعبدوه ، ولا تجعلوا له أندادا في العبادة ، تعبدونهم وأنتم تعلمون أنه لا ندّ له يخلق شيئا مما ذكر ، وها هي ذي مظاهر قدرته ودلائل وحدانيته تدل عليه . وإن كنتم في شك من القرآن وأنه أنزل على عبدنا ورسولنا النبي الأمى محمد بن عبد اللّه فها هو ذا القرآن ، فجدوا واجتهدوا واشحذوا عزائمكم ، واجمعوا جموعكم ، واستعينوا برؤسائكم وآلهتكم ، وأتوا بسورة تماثله في البلاغة وسداد التشريع الصالح لكل زمان ومكان ، والإخبار بالمغيبات إن كنتم صادقين في دعواكم أن القرآن من عند محمد وليس القرآن من عند اللّه ، وكيف يعقل هذا ؟ ومحمد بشر منكم أمي مثلكم لم يقرأ ولم يكتب ، وأنتم مجتمعون وفيكم الشاعر والخطيب والبليغ والأديب ، والقرآن كلام عربي من جنس ما تتكلمون به في خطبكم وأشعاركم بل كلامكم العادي ، وقد تحداكم اللّه به وأنتم ومن يحضر معكم من جهابذة القول وأعلام البلاغة وفرسان البيان ، فإن عجزتم - وأنتم لا شك عاجزون - فارجعوا إلى الحق وآمنوا بمحمد وبما أنزل عليه من القرآن ، وفي ذلك وقاية لكم من النار التي وقودها الناس والحجارة التي أعدها اللّه للكافرين . تحدى اللّه العرب أن يأتوا بسورة تماثله في البيان وقوة الأسلوب ، ودقة التعبير وغير ذلك مما برع العرب فيه ، أما النواحي السياسية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية والقانونية فذلك شأن عال ، ومنزلة رفيعة أثبتت الأيام أن القرآن فيه معجزة للعالم كله . ( بحث لعل ) : أصل لعل للترجى ، فإذا قلت لصديقك : لعلك تزورنى ، كان المعنى أرجو وأطمع في زيارتك ، وهنا لا تصح أن تكون كذلك لأن رجاء تقواهم لا يكون من القادر الذي في قبضته كل شيء وهو العليم الخبير . ولكن لما خلق اللّه الخلق لعبادته وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 1 » وقد أوضح لهم الطريقتين ، وطلب منهم سلوك الطريق المستقيم مرارا كأنه في صورة الذي يرجو تقواهم وكأنها مرجوة له سبحانه . . . وهي تفيد كذلك التعليل .

--> ( 1 ) سورة الذاريات 56 .