الشيخ محمد الصادقي
88
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
60 - أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ قرآنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ من سائر كتب الوحي وهم منافقون يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ حيث يطغى على اللّه وعلى عباد اللّه وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ : الطاغوت وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ كما شاءوا وهيّأوا له ضَلالًا بَعِيداً عن الحق المرام ف " إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ " فالكفار الرسميون أقل منهم ضلالا . 61 - وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ قرآنا وَإِلَى الرَّسُولِ سنة رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً : عدة ، بكل قوة وعدّة ، منعا للناس أن يراجعوا الرسول نفسه ، حتى يظلوا على ضلالهم ، أو هم يضلونهم عن السبيل ، " ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ " . 62 - فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ قالا وحالا وأعمالا ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً إلى أهله وَتَوْفِيقاً بين المتخلفين ، وهما لا يحتاجان إلى حلف ، ولا سيما أمام الرسول . 63 - أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ علما وعلما ما فِي قُلُوبِهِمْ من كفروهم يتظاهرون بالإيمان فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ دون اعتماد عليهم فلا تقبل منهم ما يدّعون وَعِظْهُمْ بليغ الموعظة وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ لا فقط في آذانهم قَوْلًا بَلِيغاً يبلغ إلى قلوبهم ، وهكذا يجب أن يكون القول الرسولي والرسالي أن يبلغ القلوب مهما أمكن . 64 - وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ تشريعيا في رسالاتهم ، وتكوينيا في تحقيق الإيمان لمن يؤمن ، فطاعة الرسول هي طاعة لرسالة اللّه " مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ " فليست لرسول طاعة خاصة من دون اللّه ، لأنه - فقط - أمين اللّه في وحيه ، دون أن يقول - أو يأذن أن يقول - من عند نفسه دون وحي من اللّه ، وَلَوْ أَنَّهُمْ منافقين وسواهم إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بنفاق وسواه جاؤُكَ حيا أن يحضروك ، وميتا أن يزوروك ، إذ تشهد مقامهم وتسمع كلامهم مهما بعد زمان ومكان فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لذنوبهم ثم وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً وذلك ترتيب ثنائي أن تستغفر اللّه بمحضر رسول اللّه حتى يغفر لك اللّه بيمن ذلك المحضر ، ثم إكمالا لتوبة من اللّه بعد توبتك ، ترجوا أن يستغفر لك الرسول صلى اللّه عليه وآله وهنا تكملة التوبة وذلك خلاف المتعود من الاستغفارات أن يطلب من الرسول أو ذويه ، ثم من اللّه ، أو لا يطلب إلا من رسول اللّه ! . 65 - فَلا رجاء فيهم وَ قسما ب رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ حتى تحكم بينهم بالحق كخطوة أولى لصادق الإيمان ثُمَّ ثانية حتى لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً تضيّقا شديدا لا يبقي إرادة صالحة مِمَّا قَضَيْتَ حقا وَ حتى يُسَلِّمُوا للّه وللرسول تَسْلِيماً صالحا ، لا عوج له ، ولا حول عنه ، بل خالصا لا ريب فيه ، ولا عيب يعتريه . ذلك ، وليست أقضية الرسول ( ص ) إلا من قضاء اللّه ، ف " ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى " حيث تحصر تنطقه الرسولي بوحي اللّه ، كما و " إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً " إذ تختص حاكميته بما أراه اللّه ، في كتابه أو سنته الجامعة ، غير المفرقة ، إذا فحاكميته السياسية هي كحاكميته الأحكامية ، هما مما أراه اللّه ، دون استثناء . فلا يحق لأي رسول أن يحكم إلا بوحي اللّه ، وهو أعقل العالمين ، فضلا عن غيره من علماء الدين .