الشيخ محمد الصادقي
540
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
19 - وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ بكماله وتمامه أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ قدر إيمانهم ، تصديقا باللّه ، وشهادة للّه حاضرين لديه معرفيا وعمليا دون تغيّب ، فشاهدين له بلا تعيّب لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ لإيمانهم ، وقد وصف بعض المعصومين بالصديقين والشهداء ، فهم يتلون تلوهم فيهما وَالَّذِينَ كَفَرُوا باللّه ورسله وَكَذَّبُوا بِآياتِنا آفاقية وأنفسية أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ وبينهما متوسطون . 20 - اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا الدانية الدنية لَعِبٌ لأطافيل وَلَهْوٌ لأباطيل وَزِينَةٌ المترفين وَتَفاخُرٌ بكل ترف وطرف بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ إذ " أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ . حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ " ( 102 : 2 ) كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ الزارع نَباتُهُ بظاهر الحال ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ نباته مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً في النهاية ، ثم وَ هذه الحياة الزاهرة ، هي فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ لمن انتهى بها إبصارا إليها ، أو وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ لمن اتقى فيها ، إبصارا بها وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ إذ تغر أهليها متعة فانية ، رغم كونها متاعا لإشتراء الآخرة حياة باقية " فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ " ( 6 : 38 ) و " إِلَّا مَتاعُ " ( 13 : 26 ) . 21 - إذا ف سابِقُوا في ميادين السّباق مع الرّفاق إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أن يغفر ويستر لكم دناءة الدنيا ولهواتها الساخطة الساقطة ، ثم وَجَنَّةٍ عَرْضُها سعة مطلقا ، طولا وعرضا هما " عَرْضُها " إذ لا يقابل طولا كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ككل ، فإنها " عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى " ( 53 : 15 ) فالنار - إذا - تحتها أينما كانت " وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ " ( 3 : 132 ) أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ حقا ، و ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ فوق عدله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ فضل اللّه فيشاءه اللّه وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ فكما الحصول على غفران اللّه وجنته فرض ، كذلك المسابقة المسارعة إليها فرض على فرض . 22 - ما أَصابَ أحدا مِنْ رمية مُصِيبَةٍ خيّرة أو شرّيرة فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ علم اللّه وتقديره دون تسيير ، بل بما نقدمه فيقدمه اللّه كما يشاء مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها : أنفسكم بأرضكم : " ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ " ( 42 : 30 ) كما " ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ " ( 64 : 11 ) بفارق أنه " ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ " ( 4 : 79 ) وإن كان " كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ " ( 4 : 78 ) إصدارا بما تستحقون إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . 23 - ذلك نبهة لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ربكم ، فالفائت هو بما كسبت أيديكم ، والآتي هو من اللّه مهما كان لكم فيه دخل ، فلا صدفة عمياء بل كلّ بحساب لا يخطأ ، فالأسى على الفائت تشغل البال ، والفرح بالآتي يفسد الحال وَاللَّهُ لا يُحِبُّ بل يبغض كُلَّ مُخْتالٍ مفتعل الخيال والخيلاء فَخُورٍ يفخر بما عنده من مال أو منال ، وإنما يحب المتواضعين غير المتفاخرين . 24 - و " كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ " هم الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بما آتاهم اللّه من فضله ، بل وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ عن اللّه ، توليا إلى اللهو فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ في غناه ، دون الأغنياء ، فلا يحتاج إلى إنفاق ، فإنما يأمرنا أن ينفق بعضنا على بعض تمحّصا وتمحّضا في السماحة والعطوفة .