الشيخ محمد الصادقي

506

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

29 - وَ اذكر إِذْ صَرَفْنا دون بعث رسولي وإنما انصرافا إلى جديد الوحي إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ منك الْقُرْآنَ فقد انقطع الوحي الرسولي بعد محمد ( ص ) فلم يأت بعد وحيه حتى لفظة الوحي القاصدة إلهاما كما لأم موسى " أَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى " فَلَمَّا حَضَرُوهُ محمّدا صلى اللّه عليه وآله وسلّم قالُوا أَنْصِتُوا أنفسكم وغيركم فَلَمَّا قُضِيَ القرآن على قدر وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ لا رسلا ، مهما كانوا قديسين ، وقد انصرفوا إليه بحجون مكة في مسجد الجن ، وكنت في هجرتي إلى اللّه من شر الشاه عليه لعنة اللّه ببيت قدامه وفسرت فيه فيما فسرته سورة الجن . 30 - قالُوا لقومهم يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى قرآنا ، لا عيسى ، ولأن الإنجيل نسخة من التوراة دون نسخ أحكامي إلا بعضا مما حرم في التوراة ابتلاء : " وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ " ( 3 : 50 ) ولأنهما يتشابهان في تفاصيل الأحكام مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ : " قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً " ( 72 : 1 ) . 31 - يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ محمدا بالقرآن وَآمِنُوا بِهِ أنفسكم عن المحاظير يَغْفِرْ لَكُمْ بعضا مِنْ ذُنُوبِكُمْ التي تغفر بتلك الإجابة : " يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً . وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً " ( 33 : 46 ) وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ يوم الأخرى . 32 - وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ مع بيناته الباهرة فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ اللّه وأهليه فِي الْأَرْضِ : " وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ " ( 29 : 22 ) وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ ينصرونه من بأس اللّه أو إلى رحمة اللّه أُولئِكَ غارقون فِي ضَلالٍ مُبِينٍ نفسه في كافة النشآت . 33 - ألم يروا فطرهم وعقولهم أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ و " لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ " ( 40 : 57 ) وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى " وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ " ( 30 : 27 ) بَلى هو أقدر على إحياء الموتى من الإحياء الأول إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ أيا كان مهما كان أقوى منه قَدِيرٌ فضلا عن أضعفه . 34 - وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ عرض النار على النار ، فيقال لهم أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ كما برهنّا عليه يوم الدنيا قالُوا بَلى وَرَبِّنا قسما بربوبيته العالية حيث تقتضي حياة الحساب والجزاء وإن كنّا عنها متغافلين قالَ اللّه لهم فَذُوقُوا الْعَذابَ الموعود لكم بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ . 35 - فَاصْبِرْ على ما يقولون كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ والصبر العازم مِنَ الرُّسُلِ وهم خمسة ، دون غيرهم إذ لم يجمع فيهم عزم الرسالة " وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً " ( 20 : 115 ) عزما على الميثاق الغليظ الرسالي في شرايع الدين : " شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ " ( 41 : 15 ) وعزما في استقلال الشرعة والاستقامة فيها وفي كل ما تطلبه الرسالة ، خاصا بعد عامه : " وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً " ( 32 : 7 ) وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ عذابهم كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ في الأخرى لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ مهما رأوا منه في برزخهم ، لتقابل القليل بالكثير ، هذا بَلاغٌ يبلغ كافة العقول فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ تخلفا عن بلاغة .