الشيخ محمد الصادقي
419
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
7 - وَ اذكر يا محمد إِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ دونما استثناء لمكان الجمع المحلّى باللام ، وهم من لهم رفعة بين المرسلين ، وقد أنزل عليهم كتب الوحي مِيثاقَهُمْ في حقل النبوة وَمِنْكَ وأنت آخرهم مبعثا ، ولأنك أولهم ميثاقا وأولاهم نبوة تذكر قبل الكل وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً وهم أولوا العزم منهم أجمع وكما في آيات أخرى ك : " شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ . . " ( 42 : 13 ) وهناك " مِيثاقَهُمْ " تعني ميثاقا يخصهم ، ومنه أن يؤمنوا بمحمد ( ص ) : " وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي . . " ( 3 : 81 ) ولشمول الميثاق هناك محمدا معهم ، فميثاق آخر معه يشمله " وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً " أغلظ من كافة المواثيق من سائر الرسل ، كما للخمسة أكثر من سائر النبيين . 8 - " أَخَذْنا " بجمعية الصفات الربانية في حقل النبوة لِيَسْئَلَ اللّه الصَّادِقِينَ نبيين ومرسلين وغيرهم على درجات صدقهم ، رسلا ومرسلا إليهم عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ كفرا عَذاباً أَلِيماً " فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ " ( 7 : 6 ) . 9 - هنا تسعة عشر آية تتحدث عن غزوة الأحزاب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ لإيمانكم السليم إِذْ جاءَتْكُمْ وأنتم في المدينة جُنُودٌ كافرة فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً يطردهم إذ أغبرهم وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وهم رأوها فخافوا وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً . 10 - " نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ " إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ شرقيا وهم اليهود قريبين إليكم وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وهم المشركون من مكة جانبا غريبا ، وبهذه التكتيكة المحيطة الحربية سيطروا عليكم فجأة فجيعة وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ لكم إذ رأيتم هذه الحيطة الخطرة ، ثم وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ تعبيرا عبيرا عن بلوغ أرواحهم إلى حناجرهم قرب الموت خوفا من هذه الفجأة وَ بالنتيجة تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا غير الصالحة للإيمان ، إذ كان ذلك امتحانا شديدا غير مديد . 11 - ف هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ بهذه البلية الصعبة الملتوية وَزُلْزِلُوا عن ثابت إيمانهم واطمئنانهم زِلْزالًا شَدِيداً ما أشده . 12 - وَ اذكر إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ الرسميون وَ غيرهم من الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ رغم إسلامهم " وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ " ( 49 : 14 ) أو إيمانهم الخليط بشوب التشكك " إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ " ( 8 : 49 ) إذ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً حيث نرى ما نراه من محاصرة كافرة رغم وعد النصر لنا . 13 - وَ اذكر إِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ المنافقين يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ أمام هجمة الأعداء ، فعليكم النزوح عنها فرارا دون قرار فَارْجِعُوا إليها لتفروا مع أهليكم وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ ليرجعوا يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ نخاف أن يهاجم عليها من الأعداء وَ الحال أنه ما هِيَ بِعَوْرَةٍ بل هم العورة إِنْ يُرِيدُونَ بذلك الاستئذان إِلَّا فِراراً عن المعركة . 14 - وَلَوْ مستحيلا كما وعد اللّه دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ أولاء المرضى مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ الحربية معهم ضد المسلمين ، مع فتنة الكفر أن يجاهروا به لَآتَوْها حبوا سراعا تاركين بيوتهم العورة وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلَّا يَسِيراً ليعدوا عدّتهم وعدّتهم ضد المسلمين . 15 - وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ الحرب أن لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ عنها وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ الذي عاهدوه مَسْؤُلًا لا يسامح عنه .