الشيخ محمد الصادقي

402

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

46 - وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ برمّتهم إِلَّا بالطريقة التي هِيَ أَحْسَنُ الطرق في المجادلة ، أن تجلبهم إلى الحق ، أو توضحه لهم مهما لم يصدقوا ، أم لأقل تقدير لا تبعدهم عنه إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أن يكذبوا بالحق " وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا " فهنا النضال والقيام حيث " الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ " ( 2 : 217 ) فإن تركتهم أحرارا ، أضلوا الضّعاف أحرارا وَقُولُوا أولا وأخيرا في مختلف صور الجدال آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا قرآنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ كتبا قبله وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ كلنا حسب الشريعة الكتابية التوحيدية لَهُ لا لسواه مُسْلِمُونَ فالواحد متفق عليه والثاني مختلف فيه ، فنحن كلنا نؤمن كأصل بإله واحد : " قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ " ( 3 : 64 ) . 47 - وَكَذلِكَ البعيد الغور ، العظيم الدور ، في الهدى بالأسلوب الذي أنزلنا على من قبلك أَنْزَلْنا إِلَيْكَ هذا الْكِتابَ القرآن فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ بطبيعة الحال الكتابية ، أنسا بوحي الكتاب ، فهم - إذا - آنس بوحي القرآن إذ هو أعلى من كل وحي وَمِنْ هؤُلاءِ المشركين مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ مهما كان أبعد حجة وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا المسرودة كلها في القرآن إِلَّا الْكافِرُونَ كتابيون أم مشركون : " وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا " . 48 - وَ كحجة للكلّ ، كتابي وسواه ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ القرآن مِنْ كِتابٍ سماوي أو أرضي وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ التي تخط بها إِذاً لو كنت تتلوا أو تخط لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ لوحي القرآن أنه من زبر الأولين ، بل ، و " ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ " ( 42 : 52 ) الجائي به الكتاب ، فمهما كانت التلاوة والكتابة من الكمالات الإنسانية ، ولكنهما لهذا الرسول مدخل لإبطال وحيه ، إلا أنه بعد ذلك الوحي أصبح أقرأ القراء وأكتب الكتاب ، لمكان " مِنْ قَبْلِهِ " . 49 - إن القرآن ليس من عند غير اللّه ، ولا غير بيّن من اللّه بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ الدلالة على مقاصدها وربانية نزولها فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ كأهل الكتاب إذا نظروا إليه بعين البصيرة ، لأنسهم بوحي الكتاب ، وكسائر المكلفين بنفس النظر والبصر ، فهم به مؤمنون ، فضلا عن منازل وحيه رسولا ورسوليين وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا ككلّ ، ولا سيما أبين الآيات إِلَّا الظَّالِمُونَ أنفسهم والحق الحقيق بالتصديق . 50 - وَقالُوا الناكرون والمكذبون لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ بصرية كما أنزلت على الرسل قبله مِنْ رَبِّهِ فكيف رباه رسولا ولم ينزّل عليه " آياتٌ " ألفناها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ الرسولية عِنْدَ اللَّهِ لا عندي حتى أنزلها لكم كما تشتهون وَإِنَّما ليس إلا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ بآيات ينزلها اللّه وأفضلها القرآن نفسه ، فالآيات الرسولية ليست عند الرسل لا أصليا ولا تخويليا " إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ " ولا هم يعلمونها كذلك " وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ " ( 10 : 20 ) . 51 - ألم يكفهم كيانك أنت نفسك وأفضل من سائر المرسلين إذ : " قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ " ( 36 : 16 ) ولم يكفهم علماء من أهل الكتاب يصدقونه أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أخيرا كآية خالدة مهما لم يكن دليل آخر أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ عن سائر الآيات الحسية المؤقتة على رسل اللّه من قبل إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ . 52 - قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ .