الشيخ محمد الصادقي
395
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
78 - قالَ قارون ، نكرانا لما آتاه اللّه حتى يصرف في سبيل اللّه إِنَّما ليس إلا أُوتِيتُهُ ما عندي من الكنوز عَلى إشراف عِلْمٍ خاص عِنْدِي جدارة علمية بالحصول عليها ومصرفها ، مهما آتاه اللّه بتلك الجدارة أم سواه أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً علمية وسواها وَأَكْثَرُ جَمْعاً لأموال وبنين وأعضاد وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ سؤال استفهام الْمُجْرِمُونَ إلا استفحاما فإقحاما عند ربهم ، فلا تنافي بين " وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ " إذ تعني التنديد ، وبين " فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ " ( 55 : 39 ) استفهاما ، إذ " يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ " ( 55 : 41 ) . 79 - فَخَرَجَ من قصره عَلى حاضر قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ من كنوزه ، وهنا مقالة غير الأولى حيث قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا فقط ، أم مساماتا بين الحياتين : يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ من الكنوز والزينة إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ما أعظمه . 80 - ثم الطائفة الأولى : وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ باللّه إيمانا عالما مكينا متينا وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ في الأخرى خَيْرٌ مما أوتي قارون وأمثاله لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً بمال ودون مال وَلا يُلَقَّاها يفهمها لقاء الإيمان أي هذه الحقائق إِلَّا الصَّابِرُونَ في ملتويات الحياة . 81 - ولكي يجزى قارون جزاء له بإفساده ، ويعرف أن كنوزه ليست له نعمة بل نعمة فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ حيث ابتلعتهما عن بكرتهما فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إذ لا مانع من بأس اللّه وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ لأنفسهم ، إذ فات يوم خلاص ولات حين مناص ، فلم ينتصر لما رأى من عدم وجود ناصر ، خلاف ما كان يزعمه من ذي قبل . 82 - وَأَصْبَحَ صار الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ مكانته بِالْأَمْسِ القريب يَقُولُونَ واها وويلا وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ بسطا وتضييقا ، هو لا سواه ، مهما كان العلم والقوة والشطارة لأعلاها ، وأم سواها لأدناها ، وإن كان للعمل دخلا أصيلا في عطاء اللّه لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بما خسف بقارون وبداره الأرض حتى لا ننضم إليه لَخَسَفَ بِنا كما خسف به وبجمعه وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ ولا سيما الظالمون منهم المفسدون . 83 - تِلْكَ البعيدة المدى ، القريبة الهدى ، هي الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ فضلا عن أن يعملوا له ويسعوا إليه وَلا فَساداً هو من خلفيات العلو في الأرض وَ الحياة الْعاقِبَةُ لهذه الأدنى لِلْمُتَّقِينَ هنا وبعد الموت ولا سيما الأخرى : " وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ . وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ . وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ " ( 2 : 206 ) . 84 - مَنْ جاءَ / بالحياة الحسنة بكل مراحلها فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها حياة أخرى ، وأقلها : " مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها " ( 6 : 160 ) وَمَنْ جاءَ بالحياة السيئة فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا نفس ما كانُوا يَعْمَلُونَ إياه إذ الجزاء هو نفس العمل بظهوره في ملكوته ، فكما العمل محدود فكذلك جزاءه ، إلا العمل الصالح ف " عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ " ولأنه من فضل اللّه ، ولكن جزاء السيئة هو قضية العدل ، فهو محدود بحدودها : " وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها " ( 42 : 40 ) .