الشيخ محمد الصادقي

378

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

13 - فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً " لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ " قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ أنه سحر ، رغم كونه آية " مُبْصِرَةً " لمن يبصر ولا يستحسر . 14 - وَجَحَدُوا بِها نكرانا ونكرا وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ جحدا ظُلْماً بآيات اللّه وبأنفسهم الجاحدة وَعُلُوًّا على اللّه بآياته المبصرة فَانْظُرْ إذا كَيْفَ كانَ حياة عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ظلما وعلوا . 15 - وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ ثم وَسُلَيْمانَ عِلْماً من لدنا وحيا وَقالا إذا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ إذ لم يؤتوا من ذلك العلم الوحي ، مهما أوتوا من علم الإيمان ، ومن ذلك الفضل " وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ " ( 10 ) " وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ " ( 34 : 12 ) . 16 - وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ إرث المال كأصل ، وإرث الحال بما علّمناه بعده ، ف إنا معاشر الأنبياء لا نورث دينارا ولا درهما لا تسوى دينارا ولا درهما ، لأن نفي الإرث فيها هو بموضوع النبوة وقد نقضته الآية وَقالَ سليمان فيما ورثه حالا بعد مال يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا أنا وأبي داود مَنْطِقَ الطَّيْرِ فللطير منطق كما لنا ولكنا لا نفهمه وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ بعضا لمكان " من " لم يؤته غيرنا إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ كونه فضلا ، وأن صاحبه مفضّل من عند اللّه العلي الحكيم . 17 - وَحُشِرَ جمعا شاملا لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ بعضا لمكان " من " فَهُمْ بعد حشرهم يُوزَعُونَ منعا عن تفرقهم بعد جمعهم . 18 - حَتَّى إِذا أَتَوْا في مسيرهم عَلى وادِ النَّمْلِ خاصا من وديانها لجمهورية النمل ، وإلا لكان " نمل " دون تعريف ، وعلّ " على " هنا تلمح لتقصّد في ذلك الإتيان ، إتيان خاص ونمل خاص ، إذا قالَتْ نَمْلَةٌ هي خطيبة جمهورية النمل يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ الآن ، لكي لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ تحت أقدامهم نملا ، وهذا يشعرنا أن النمل كانت تعرف سليمان وجنوده ، وأنه عدل لا يحطّم من تحت قدميه إلا قصورا . 19 - فَتَبَسَّمَ ابتساما ، هو دون الضحك ، حال كونه ضاحِكاً نزّله إلى ابتسام مِنْ قَوْلِها العجاب وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي ألهمني ككلّي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ علما وعملا ومعرفة رسالية وَعَلى والِدَيَّ لوالدي كما لي ، ولوالدتي أن ولدتي طاهرا وربتني ، دون ما تتقوله التوراة المحرفة أنه وليد زنا من امرأة أو ريّاه الحتّي وَأَنْ أَعْمَلَ عملا صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ الحالية والمستقبلة فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ المرضيين بكلا الصلاح فالرضا . 20 - وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ التي هي من جنوده ، تفعّلا عن فقدان حاضر ، أم فقدان حاجة له ، فلم يجد من بينها الهدهد فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ الخاص من جمع الهداهد في محشر الجنود ، وعلّه قائد قوات الهداهد لمكان التعريف الخاص به ، فهل غاب بعد حضوره أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ عن ذلك الحشر . 21 - لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذاباً شَدِيداً مما يدل على تكليفه حينذاك إنسانيا ، وعلى أية حال حيوانيا ، كما " ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ " ( 6 : 38 ) أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ لعظم ذنبه المستحق للذبح أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ برهان عاذر مُبِينٍ عذره في غيبته . 22 - فَمَكَثَ سليمان غَيْرَ بَعِيدٍ دون استعجال في حكمه وكذلك " الْهُدْهُدَ " كلّ لما يروم فَقالَ لسليمان إني أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ علما ، مما يدل على رجاحته عليه في علم موضوعي ، لا حكمي ، مهما كان سليمان نبيا وَجِئْتُكَ مِنْ مملكة سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ دونما ترددّ وتشكّك .