الشيخ محمد الصادقي

320

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

114 - فَتَعالَى اللَّهُ عما يصفونه الْمَلِكُ على كل الملك الْحَقُّ كله وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ المفصل بعد نزوله عليك محكما ليلة القدر مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى يحكم إِلَيْكَ وَحْيُهُ المفصل كما قضي إليك من بعد وحيه المجمل وَقُلْ رَبِّ الذي ربيتني زِدْنِي عِلْماً بوحيك ، ومعرفة بك وبأحكامك . 115 - فهذا عهد إليك مع ساير العهد وأنت الوفي الموفي به وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ ما عهدنا إليك ، ألّا يأكل من الشجرة ولا يتبع الشيطان فَنَسِيَ متناسيا وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً إذ لم يوجد له حينذاك : " وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى . ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى " ( 20 : 122 ) ونسيان عهده حين : 116 - وَ اذكر إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ أجمعين اسْجُدُوا للّه لحرمة آدم شكرا لهذه النعمة السابغة فَسَجَدُوا كلهم إِلَّا إِبْلِيسَ وقد أمر معهم بالسجود له مهما " كانَ مِنَ الْجِنِّ " " ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ " ( 7 : 12 ) فقد أَبى عن ذلك السجود استكبارا على اللّه . 117 - فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا إبليس فاعرفه ، هو عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ إذ أمر بالسجود لك ولأنه عدوّ أحباء اللّه فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ هذه الْجَنَّةِ بالأكل من الشجرة المنهية فَتَشْقى تعبا على الكرة الأرضية بجوع وعرى وظمأ وضحى . 118 - إِنَّ لَكَ في صالح حياة هذه الجنة أَلَّا تَجُوعَ فِيها فأكلها دائم وَلا تَعْرى إذ عليك لباس الجنة دون عرى . 119 - وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها عطشا وَلا تَضْحى بالشمس حرارة . 120 - فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ بحبائله التي ترى أنها صالحة ف قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ التي منعت عنها منعا عن دار القرب والكرامة وَمُلْكٍ لا يَبْلى إذ إنك فيه تبقى ، فما ذا تبغي بعد الخلد والملك ، إذ " ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ " ( 7 : 20 ) في هذه الجنة ، فحبب إليهما هذه الجنة الخلد ، زعم أن الشجرة هي شجرة الخلد ، فهنا نسي عداء الشيطان ، إذ ورد من درب رحمة الرحمن . 121 - فَأَكَلا مِنْها ذوقا " فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ . . " ( 7 : 22 ) فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما إذ نزع عنها لباس الجنة " يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما . . " ( 7 : 27 ) وَطَفِقا يَخْصِفانِ ولكنهما ما استطاعا أن يخصفا عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ إذ نزع عنهما كل لباس الجنة وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ هنا فَغَوى وهذا نص القرآن في عصيانه ولكنه كان قبل رسالته ، إذ : 122 - ثُمَّ بفاصل بعد عصيانه اجْتَباهُ رَبُّهُ بالرسالة فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى بعد ما غوى ، والترتيب هنا توبة وهدى فاجتباء " فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى " ( 20 : 123 ) توبة عن عصيانه ، ثم هدى بعده ومن ثم اجتباء ، ولذلك ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ . 123 - قالَ اللّه لهما وللشيطان " اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ " * ( 2 : 36 ) اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً إلى الأرض ، حال أن بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ عداوة بين قبيلى الشيطان والإنسان ، وأخرى بين قبيل الإنسان نفسه ولا يزيلها هنا ، أو يدفع عنها هناك إلا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً بوحي الرسالة وليس إلا إلى آدم ، إذ " إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً " ( 3 : 32 ) فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ الخاصة ، الموحاة إلى أصحابه فَلا يَضِلُّ عن سبيل اللّه وَلا يَشْقى بالرغم من أن الحياة الدنيا حياة شقاء ، وكما لا يشقى بعذاب بعد الموت . 124 - وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي صفة مضادة لمن تبع هداي و " ذِكْرِي " تشمل كل ذكر منه عن ذكر اللّه فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً صعبا ملتويا ، فهو دائما في تزعزع مهما كان له ظاهر الحياة الدنيا -