الشيخ محمد الصادقي
268
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
5 - ثم وَالْأَنْعامَ كلها ، نعما لكم كلكم خَلَقَها حال أنها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وهو خلاف البرد ، ملابس وأحذية وجوارب ، أو بيوت الچوادر والخيم وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ فإنها حلّ كلها . 6 - ثم وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ إراحة لها عن حملها بحملها وَحِينَ تَسْرَحُونَ ركوبا عليها في أسفار تتنعمون فيها ، تنقلات سارحة فارحة ، وما أشبه . 7 - فهي تحملكم سرحا وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ التي لا تقدرون أن تحملوها أو هي عب إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ دونها إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ كدّا صعبا إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ بكم فيما يعطيكم من نعمه . 8 - وَ خلق من الأنعام الْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَ لتكون لكم زِينَةً وجمالا حين تريحون وحين تسرحون وَيَخْلُقُ فيما بعدها ما لا تَعْلَمُونَ من مركبات برية وبحرية وجوية ، فإنها كلها من خلق اللّه حيث وفق الإنسان لصناعتها ، فقد تشمل " ما لا تَعْلَمُونَ " كل ما يصطنعه الإنسان على ضوء تقدمات علمية ، ما هي مجهولة وقت نزول القرآن ، وما يخلقه اللّه تعالى على طول خط الحياة ، وهي غير معلومة للإنسان أيا كان وأيان " فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ " * ولأنها خلقت لركوبها ، فأكل لحومها مرجوح يستفاد حلها من " وَمِنْها تَأْكُلُونَ " شاملة للأنعام كلها كما يستفاد مرجوهيته من عدم ذكره هنا . 9 - وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ مقابل الجائر السَّبِيلِ إذ " كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ " ( 6 : 12 ) فهو يدلنا إلى سبيله تكوينا وتشريعا باختيار وَمِنْها السبل المستفادة من السبيل جائِرٌ يخالف ويعاكس الحق " وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ " ( 6 : 153 ) وَلَوْ مستحيلا في الحكمة الربانية شاءَ تسييرا لقصد السبيل لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ حملا لكم على الهدى . 10 - هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ على أرضنا ماءً لَكُمْ بقدر وهي كانت يابسة مِنْهُ شَرابٌ تشربونه وَمِنْهُ شَجَرٌ تشجّرون به من نابتات فِيهِ تُسِيمُونَ أنفسكم وأنعامكم من أوراقها والعشب : " وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ " ( 23 : 18 ) . 11 - يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الماء الزَّرْعَ ككل وَ سائر النبات ك الزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ مفضلة على الكل وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ النباتية وما أشبه كالحيوان وحتى الإنسان " وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً " ( 71 : 17 ) إِنَّ فِي ذلِكَ الخلق الرحيم لَآيَةً ربانية لرحمانيته ورحيميته وتوحيده لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فيها حقّه . 12 - وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ نوما ومعاشا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ نورا وحرارة وحسبانا وَالنُّجُومُ " لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ " ( 6 : 97 ) حالكونها مُسَخَّراتٌ لكم بِأَمْرِهِ لا سواه إِنَّ فِي ذلِكَ العظيم من تسخيره لَآياتٍ متعددة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ إعمالا لعقلياتهم المكلفة " قوم " إنساني ، جني ، ملائكي ومن أشبه من خليقة مكلفة . 13 - وَ سخر ما ذَرَأَ لَكُمْ إظهارا لمبدإ ، حال أنه فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ طعما وشكلا وقدرا إِنَّ فِي ذلِكَ التسخير لما ذرأ لكم لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ بآيات اللّه ، مبصرين بها لتبصرهم ، لا إليها لتعميهم . 14 - وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ أكلا لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا إلا الوحوش منه ، مما يدل على حل اللحوم البحرية كضابطة ، إلا غير الأنعام منه ، فلا يشترط فلس في الأسماك ، والرواية في ذلك مختلفة تؤخذ الموافقة لذلك النص الطليق ، لا سيما " أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ . . " ولم يتل حرمة غير ذات الفلس من السماك ، وهي من " الأنعام " إذ تعني الحيوان النعمة ، وهي غير المفترسة ،