الشيخ محمد الصادقي

6

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

30 - وَ اذكر أنت يا رسول الهدى وسائر المخاطبين بالقرآن بداية خلقتكم إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ أنت بكامل التربية وشاملها القمة إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ هذه ، أم وسائر الأرضين خَلِيفَةً تخلف أناسيّ ومن أشبه ، منقرضين قالُوا إذ فهموا معنى الخليفة أنها ليست خليفة اللّه نفسه وعوذا باللّه ، بل خليفة المفسدين السافكين أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ كما كان المستخلف عنهم وَ الحال أننا نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ دونهم قالَ إِنِّي أَعْلَمُ من هذه الخليفة ما لا تَعْلَمُونَ فالخلافة عن اللّه نفسه مستحيلة ، وعن الجن والملائكة غير موجودة . 31 - فلكي يعلموا من ذلك وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها وهي ككلّ كلّ ما دل على اللّه ، ولكن ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فرجوع ضمير العاقل إلى الأسماء ، تدل على أنها الذوات العاقلة القمة فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ الأكارم لحدّ يبين لكم علما بها شبحا ، دونهم كذواتهم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في تقدمكم بتقدسكم على هذه الخليفة ، خلاف ما زعمتم . 32 - قالُوا سُبْحانَكَ من أن تجعل خليفة خليقة كمن انقرضوا وأن نعلم ما لم تعلمنا ، ف لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ عليما وحكيما بما تفعل دون سواك ، فهم بين قاصر أو ومقصر . 33 - قالَ يا آدَمُ حيث علّمناك الأسماء كلها ف أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ دون ذواتهم فإن لك حظوة منها دونهم فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ومنه العلم بكيان هذه الخليفة التي بقمتها محمد والمحمديون عليهم السّلام وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ مما سألتم وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ من تخيّل فضلكم على هذه الخليفة جهلا وما أشبه ، وأكتم الكتمان هنا ما كتمه إبليس عنهم من تكبره على اللّه ، قياسا ضد حكم اللّه ، فقد كان مخاطبا بينهم بظاهر أعماله الملائكية . 34 - وَ اذكر في شأن هذه الخليفة وأنت بقمتها إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ سجدة الشكر للّه لما جعله لكم معلما وقد علمناه أسماءنا كلها فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ حيث كان بينهم بدليل : " ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ " ( 7 : 12 ) أَبى عن السجود وَاسْتَكْبَرَ على آدم بل وعلى اللّه وَكانَ قبلئذ ولمّا يستكبروا يأب مِنَ الْكافِرِينَ فعند الامتحان يكرم المرء أو يهان . 35 - وَقُلْنا بلية صالحة يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ قبل البرزخ والآخرة ، فهي من الجنان الدنيوية السماوية وَكُلا مِنْها رَغَداً واسعا حَيْثُ شِئْتُما وَ لكن لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ أيا كانت فإنما هي المنهية ، ولا نهي مطلقا كما لا أمر في جنّة البرزخ والآخرة " لا تَقْرَبا " دنوا فأكلا منها فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ أنفسكما . 36 - فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها : الجنّة فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ فيها وَقُلْنَا لهما وللشيطان اهْبِطُوا منها مكانا ومكانة ، حال أن بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ مباعضة مثلثة مهما كانت الأصل بينكما وبين الشيطان ، ثم وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ هذه التي تهبطون إليها من تلك الجنة مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ الموت محنة وابتلاء . 37 - فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ لمكان ربوبيته الطليقة ، وهنا الخاصة كَلِماتٍ دالات على صالح التوبة فَتابَ اللّه عَلَيْهِ بما تلقى ف إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ على عباده الصالحين الرَّحِيمُ بهم ، فتوبة العبد هي بعد توبة اللّه عليه ليتوب " ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا " ( 9 : 118 ) . والأسماء التي علمها آدم هي الذوات القدسيّة فوقه وفوق كافة القديسين ، فهم محمد والمحمديون المعصومون ، أشباحا قبل أن يخلقوا ، كما وأن كلمات التوبة قد تكون أسماءهم أن تاب اللّه عليه بهم عليهم السلام ، بعد أسماء اللّه ودعاء .