الشيخ محمد الصادقي

108

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

6 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ لا فيها ، بل قياما إليها لإقامتها فَاغْسِلُوا وضوء إن كنتم محدثين وُجُوهَكُمْ للصلاة بأية كيفية حصلت وَ اغسلوا أَيْدِيَكُمْ الكائنة إِلَى الْمَرافِقِ ف " إِلَى " غاية للمغسول دون الغسل حتى تكون المرافق منتهى كيفية الغسل ، والمرافق هي ثلاث تغسل كلها ، والبدء بها أفضل وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ بعضها لمكان الباء وَ امسحوا أَرْجُلَكُمْ نصبا ، فمسحها يحلق على ظواهرها إِلَى الْكَعْبَيْنِ ظرف متعلق بمثل " كائن " غاية للممسوح لا المسح كما في الأيدي ، فلا بد من استيعاب مسحهما ظاهرا إلى الكعبين الأولين ، لأن للأرجل كعاب ، وعطف " أَرْجُلَكُمْ " إلى " وُجُوهَكُمْ " غير عطيف ، ولا سيما في أفصح كلام وأبلغه ، مع وجود فعلين مختلفين ، كأن يقال : ضربت زيدا وعمرا وأكرمت خالدا وبكرا ، فإن " بكرا " لا يعطف على " زيدا " حتى يكون مضروبا معه ، فليضرب ذلك العطف عرض الجدار ، ولقد كان حكم الرجلين غسلهما قبل آية المائدة ، بتواتر السنة الإسلامية ، ثم تحول إلى مسحهما ، والقول : إن الغسل أنظف ، جوابه : أن اللّه أعرف ، ثم لا يصح مسحهما إلا على طهارتهما وطيبهما ، فليس المسح تنظيفا ، إلا مسحا على نظيف وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً بعيدين عن الصلاة أن لامستم النساء أو أمنيتم ، أم بحيض أو نفاس وما أشبه حسب السنة القطعية فَاطَّهَّرُوا فليس الاطّهار الغسل إلا عن جنابة ، كما الوضوء ليس إلا عن حدث أصغر وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ عذرا لمرض أو عدم الماء سفرا أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ محل الحديث أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً وجدانا على أية حال ألا تجدوا مرضا حيث يضركم ، أو لا يمضيه الشرع أم هو حرج ، أو سفرا حيث لم يكن وقتئذ ماء في السفر فَتَيَمَّمُوا اقصدوا بجد صَعِيداً صاعدا من الأرض لأنه طاهر طَيِّباً لا تستقذره الطباع ، فلا تكفي الطهارة فقط ، والصعيد هو مطلق الأشياء الطيبة ، صاعدة ونازلة ، فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ بعضها وهو الناصية وَ ب أَيْدِيكُمْ مِنْهُ بعضا منهما وهما ظاهر الكفين كترتيب اليدين في الوضوء قضية البدلية ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ فالطهارة الحرجية غير واجبة مهما كانت راجحة وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ به بما ذكرنا من الطهارة مائية وسواها وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ إذا فالتيمم بالصعيد غير الطيب محظور وإن كان طاهرا ، ثم يتيمم بكل طاهر طيب . 7 - وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وهي الشرعة الإسلامية وَ اذكروا مِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ فطريا وسواها إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وإذ " قالُوا بَلى " * في تكلم الفطرة الذاتية وَاتَّقُوا اللَّهَ على أية حال إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ وهي محافظ المعارف والنيات . 8 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ في حياتكم وقدراتكم كلها شُهَداءَ للّه بِالْقِسْطِ قسطا للّه فيها كما لكم قسط ولكنه أيضا قسط العبودية للّه وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ عداوة قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا فيهم ، بل اعْدِلُوا لكل برّ وفاجر هُوَ أَقْرَبُ من تركه لِلتَّقْوى من بأس الظلم مهما كان على قوم بينكم وبينه شنآن ، فهو - إذا - أبعد عن التقوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ جهارا أو إسرارا ، دون تجدد علم أو تكامل فيه ، لأن كل معلوم هو من فعله على علم وقدرة غير محدودين . 9 - وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لإيمانهم لَهُمْ مَغْفِرَةٌ عما قصروا أو قصّروا ، ثم وَأَجْرٌ عَظِيمٌ بما آمنوا وعملوا الصالحات ، وهنا " الصَّالِحاتِ " تعم كلها دون نقص ولا نقض ، ف " مَغْفِرَةٌ " هي غفر وستر عن ذنب فلا يحصل ، أو عفو عما حصل .