الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
92
مختصر الامثل
على عرش القدرة دائماً : تحدثت الآيات السابقة عن إحدى عشرة صفة للذات الإلهية المقدسة ، وتبيّن الآيات أعلاه أوصافاً أخرى حيث أشير في الآية الأولى مورد البحث إلى خمسة أوصاف أخرى من صفات جلاله وجماله . ويبدأ الحديث عن مسألة الخلقة حيث يقول سبحانه : « هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ » . لقد ذكرت مسألة الخلقة في ( ستّة أيام ) سبع مرّات في القرآن الكريم ، المرّة الأولى في الآية ( 54 ) من سورة الأعراف ، والأخيرة هي هذه الآية مورد البحث ( الحديد / 4 ) . فإنّ المقصود من ( اليوم ) في هذه الآيات ليس المعنى المتعارف ( لليوم ) ، بل المقصود هو ( الزمان ) سواء كان هذا الزمان قصيراً أو طويلًا حتى لو بلغ ملايين السنين . ثم تتطرق الآيات إلى مسألة الحكومة وتدبير العالم حيث يقول سبحانه : « ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ » . إنّ زمام حكومة وتدبير العالم كانت دائماً بيده ولا زالت ، وبدون شك فإنّ اللَّه تعالى ليس جسماً ، ولذا فليس معنى « العرش » هنا هو عرش السلطة ، والتعبير كناية لطيفة عن الحاكمية المطلقة للَّهسبحانه ونفوذ تدبيره في عالم الوجود . ثم يستعرض نوعاً آخر من علمه اللا متناهي بقوله تعالى : « يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا » . وفي رابع وخامس صفة له سبحانه يركّز حول نقطة مهمة حيث يقول : « وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ » . وكيف لا يكون معنا في الوقت الذي نعتمد عليه ، ليس في إيجادنا فحسب ، بل في البقاء لحظة بلحظة - أيضاً - ونستمدّ منه العون ، إنّه روح عالم الوجود . الحقيقة أنّ الاحساس بأنّ اللَّه معنا في كل مكان يعطي للإنسان عظمة وجلالًا من جهة ، ومن جهة أخرى يخلق فيه إعتماداً على النفس وشجاعة وشهامة ، ومن جهة ثالثة فإنّه يثير إحساساً شديداً بالمسؤولية ، لأنّ اللَّه حاضر معنا في كل مكان ، وناظر ومراقب لأعمالنا ، وهذا أكبر درس تربوي لنا . وهذا الاعتقاد يمثّل دافعاً جدّياً للتقوى والطهارة والعمل الصالح في الإنسان ، ويعتبر رمز عظمته وعزّته . وبعد مسألة الحاكمية والتدبير يأتي الحديث عن مسألة مالكيته سبحانه في كل عالم الوجود ، حيث يقول : « لَّهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ » .