الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
8
مختصر الامثل
عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ( 5 ) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ( 6 ) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ( 7 ) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ( 8 ) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ( 9 ) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ( 10 ) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ( 11 ) أَ فَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ( 12 ) تعقيباً على الآيات المتقدمة التي تحدثت عن نزول الوحي على الرسول صلى الله عليه وآله يجري الكلام في هذه الآيات عن معلم الوحي . تقول الآية : إنّ من له تلك القدرة العظيمة هو الذي علّم النبي صلى الله عليه وآله : « عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى » . وللتأكيد أكثر تضيف الآية بعدها إنّه ذو قدرة خارقة ومتسلط على كل شيء : « ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى » . وقد علّمه هذا التعليم عندما كان بالأفق الأعلى : « وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى » . ثم اقترب واقترب حتى كان بفاصلة قوسين من معلّمه أو أقل « ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى » . ثم أنّ اللَّه تعالى أنزل عليه الوحي « فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى » . « المِرّة » : معناها الفَتل ، وبما أنّ الحبل كلّما فُتل أكثر كان أشدّ إحكاماً وقوة . . . فإنّ هذه الكلمة استعملت في الأمور المادية أو المعنوية المحكمة والقوية . « تدلّى » : فعل مأخوذ من التدلّي ومعناه ، كما يقول الراغب في مفرداته ، الإقتراب ، فبناءً على ذلك فهو تأكيد على جملة « دنا » الواردة قبله ، وكلا الفعلين بمعنى واحد تقريباً . « قاب » : بمعنى مقدار ؛ و « قوس » ( معروف معناه ) وهو ما يوضع في وترة السهم ليُرمى به فمعنى « قاب قوسين » . . . قدر طول قوسين . ورد في الروايات عن أهل البيت عليهم السلام بأنّ المراد من هذه الآيات الرؤية الباطنية ( القلبية ) لذات اللَّه المقدسة التي تجلّت للرسول وتكرّرت في المعراج واهتزّ لها النبي وهالته . فعلى هذا التفسير يبيّن القرآن نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وآله بالصورة التالية : إنّ اللَّه الذي هو شديد القوى علّم النبي في وقت بلغ حدّ الكمال والاعتدال في الأفق الأعلى . ثم قرب وصار أكثر إقتراباً حتى كان بينه وبين اللَّه مقدار قاب قوسين أو أقل وهناك أوحى اللَّه إليه ما أوحاه . وبما أنّ هذا اللقاء الباطني يصعب تصوّره لدى البعض ، فإنّه يؤكّد