الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

59

مختصر الامثل

والشباب ، وفي يوم آخر الضعف والوهن ، ويوماً يذهب الحزن والهمّ من القلوب وآخر يكون باعثاً له ، وخلاصة الأمر أنّه في كل يوم - وطبقاً لحكمته ونظامه الأكمل - يخلق ظاهرة جديدة وخلقاً وأحداثاً جديدة . ومرّة أخرى - بعد هذه النعم المستمرة والإجابة لاحتياجات جميع خلقه من أهل السماوات والأرض يكرّر قوله سبحانه : « فَبِأَىّ ءَالَاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ » . سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ ( 31 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 32 ) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ( 33 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 34 ) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ ( 35 ) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ( 36 ) النعم الإلهية التي إستعرضتها الآيات السابقة كانت مرتبطة بهذا العالم ، إلّاأنّ الآيات مورد البحث تتحدث عن أوضاع يوم القيامة ، وخصوصيات المعاد ، وفي الوقت الذي تحمل تهديداً للمجرمين ، فإنّها وسيلة لتربية وتوعية وإيقاظ المؤمنين ، بالإضافة إلى أنّها مشجّعة لهم للسير في طريق مرضاته سبحانه ، ومن هنا فإنّنا نعتبرها نعمة ، لذلك بعد ذكر كل واحدة من هذه النعم يتكرّر نفس السؤال الذي كان يعقّب ذكر كل نعمة من النعم السابقة . يقول سبحانه في البداية : « سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ » . « الثقلان » : من مادة « ثقل » على وزن ( كبر ) بمعنى الحمل الثقيل وجاءت بمعنى الوزن أيضاً ، إلّاأنّ « ثقل » على وزن ( خبر ) تقال عادةً لمتاع وحمل المسافرين ، وتطلق على جماعة الإنس والجن وذلك لثقلهم المعنوي ، لأنّ اللَّه تبارك وتعالى قد أعطاهم عقلًا وشعوراً وعلماً ووعياً له وزن وقيمة بالرغم من أنّ الثقل الجسدي لهم ملحوظ أيضاً . وبعد هذا يكرّر اللَّه سبحانه سؤاله مرّة أخرى : « فَبِأَىّ ءَالَاءِ رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ » . وتعقيباً على الآية السابقة التي كانت تستعرض الحساب الإلهي الدقيق ، يخاطب الجن والإنس مرّة أخرى بقوله : « يَا مَعْشَرَ الْجِنّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ » للفرار من العقاب الإلهي ؛ « فَانفُذُوا لَاتَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ » . أي بقوّة إلهيّة ، في حين أنّكم فاقدون لمثل هذه القوّة والقدرة .