الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
34
مختصر الامثل
إنّ هذا الكتاب العظيم الخالي من التعقيد والمجسّد لعناصر التأثير من حيث عذوبة ألفاظه وجاذبيتها ، وطبيعة قصصه الواقعية ذات المحتوى الغزير . . . لذا فإنّ القلوب المهيأة لقبول الحق والمتفاعلة مع منطق الفطرة والمستوعبة لمنهج العقل تنجذب بصورة متميّزة ، والشاهد على هذا أنّ التاريخ الإسلامي يذكر لنا قصصاً عديدة عجيبة محيّرة من حالات التأثير العميق الذي يتركه القرآن الكريم على القلوب الخيّرة . كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ( 18 ) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ ( 19 ) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ ( 20 ) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ( 21 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 22 ) مصير قوم عاد : تستعرض الآيات الكريمة أعلاه نموذج آخر من الكفار والمجرمين بعد قوم نوح ، وهم ( قوم عاد ) وذلك كتحذير لمن يتنكّب طريق الحق والهداية الإلهية . وتبدأ فصول أخبارهم بقوله تعالى : « كَذَّبَتْ عَادٌ » . لقد بذل هود عليه السلام غاية جهده في توعية قومه وتبليغهم بالحق الذي جاء به من عند اللَّه ، وكان عليه السلام كلّما ضاعف سعيه وجهده لانتشالهم من الكفر والضلال ازدادوا إصراراً ونفوراً ولجاجة في غيّهم وغرورهم الناشئ من الثراء والإمكانات المادية ، بالإضافة إلى غفلتهم نتيجة إنغماسهم في الشهوات ، جعلتهم صمّ الآذان ، عمي العيون ، فجازاهم اللَّه بعقاب أليم ، ولهذا تشير الآية الكريمة باختصار حيث يقول سبحانه : « فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ » . كما نلاحظ التفصيل في الآيات اللاحقة بعد هذا الإجمال حيث يقول سبحانه : « إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِى يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ » . « صرصر » : من مادة « صرّ » على وزن ( شرّ ) ، وفي الأصل تعني ( الإغلاق والإحكام ) ويأتي تكرارها في هذا السياق للتأكيد ، ولأنّ الرياح التي عذّبوا بها كانت باردة وشديدة ولاذعة ومصحوبة بالأزيز ، لذا اطلق عليها ( صرصر ) . « نحس » : ففي الأصل معناها ( الإحمرار الشديد ) الذي يظهر في الأفق أحياناً ، كما يطلق العرب أيضاً كلمة ( نحاس ) على وهج النار الخالية من الدخان ، ثم أطلق هذا المصطلح على كل ( شؤم ) مقابل ( السعد ) . « مستمر » صفة ل ( يوم ) أو ل ( نحس ) ومفهومه في الحالة الأولى هو استمرار حوادث