الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
31
مختصر الامثل
حيث يقول سبحانه : « فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَىْءٍ نُّكُرٍ » « 1 » . أمّا المراد من « شَىْءٍ نُّكُرٍ » فهو الحساب الإلهي الدقيق الذي لم يكن معلوماً من حيث وقته قبل قيام الساعة ، أو العذاب الذي لم يخطر على بالهم ، أو جميع هذه الأمور ، ذلك لأنّ يوم القيامة في جميع أحواله حالة غير مألوفة للبشر . وفي الآية اللاحقة يبيّن اللَّه سبحانه وتعالى توضيحاً أكثر حول هذا الموضوع ويذكر أنّ هؤلاء يخرجون من القبور في حالة : « خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ » . نسبة « الخشوع » هنا للأبصار لأنّ المشهد مرعب ومخيف إلى حدّ لا تستطيع الأنظار رؤيته ، لذلك فإنّها تتحوّل عنه وتطرق نحو الأسفل . والتشبيه هنا ب « الْجَرَادٌ مُّنتَشِرٌ » لأنّ النشور في يوم الحشر يكون بصورة غير منتظمة لحالة الهول التي تعتري الناس فيه ، كما هي حركة انتشار الجراد التي تتمثّل فيها الفوضى والاضطراب خلافاً للقسم الأكبر من حركة الطيور التي تطير وفق نظم خاصة في الجو ، مضافاً إلى أنّهم كالجراد من حيث الضعف وعدم القدرة . إنّ حالة هؤلاء الفاقدين للعلم والبصيرة ، حالة ذهول ووحشة وتخبّط في المسير كالسكارى يرتطم بعضهم ببعض فاقدين للوعي والإرادة . وأمّا قوله تعالى : « مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ » فإنّ كلمة « مهطعين » : تأتي من مادة « اهطاع » أي مدّ الرقبة ، والبعض يرجعها إلى النظر بإنتباه أو الركض بسرعة نحو الشيء ، ويحتمل أن تكون كل واحدة من هذه المعاني هي المقصودة ، حيث إنّ بمجرد سماع صوت الداعي الإلهي تمدّ الرقاب إليه ثم يتبعه التوجّه بالنظر نحوه ، ثم الإسراع إليه والحضور في المحكمة الإلهية العادلة عند دعوتهم إليها . وهنا يستولي الخوف من الأهوال العظيمة لذلك اليوم على وجود الكفار والظالمين ، لذا يضيف سبحانه معبّراً عن حالة البؤس التي تعتري الكافرين بقوله : « يَقُولُ الْكَافِرُونَ هذَا يَوْمٌ عَسِرٌ » . ويستفاد من هذا التعبير أنّ يوم القيامة يوم غير عسير بالنسبة للمؤمنين .
--> ( 1 ) « نكر » : مفرد من مادة « نكارة » وتعنى الشئ المبهم المخيف .