الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
19
مختصر الامثل
إنّ لي ذنوباً ، وإنّي أطلب بما أصنع رضى اللَّه وأرجو عفوه . فقال له عبداللَّه : أعطني ناقتك ، وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها . فأعطاه ، وأشهد عليه ، وأمسك عن الصدقة . فنزلت الآيات . وقيل : نزلت في الوليد بن المغيرة وكان قد اتبع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله على دينه ، فعيره بعض المشركين ، وقالوا : تركت دين الأشياخ وظلتهم ، وزعمت أنّهم في النار ؟ قال : إنّي خشيت عذاب اللَّه . فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه ، أن يتحمل عنه عذاب اللَّه ، ففعل . فأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له ، ثم بخل ، ومنعه تمام ما ضمن له ، فنزلت الآيات . التّفسير كان الكلام في الآيات السابقة في أن يجزي اللَّه تعالى من أساء بإساءته ويثيب المحسنين بإحسانهم . . . وبما أنّه من الممكن أن يتصور أن يعذّب أحد بذنب غيره أو أن يتحمل أحد وزر غيره ، فقد جاءت هذه الآيات لتنفي هذا التوهم في المقام ، وبيّنت هذا الأصل الإسلامي المهم أنّ كلّاً يرى نتيجة عمله ، فقالت أوّلًا : « أَفَرَءَيْتَ الَّذِى تَوَلَّى » . أي تولّى من الإسلام أو الإنفاق . « وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى » « 1 » . بمعنى أنّه أنفق القليل ثم امتنع وأمسك وهو يظنّ أنّ غيره سيحمل وزره يوم القيامة . . « أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى » . فأيّ رجل جاءهم من الغيب و « القيامة » فأخبرهم بأنّه يمكن أخذ الرشوة وتحمّل آثام الآخرين ؟ وبعد هذا تأتي الآية الأخرى لتبيّن اعتراض القرآن الشديد على ذلك ، وبيان لأصل كلي مطّرد في الأديان السماوية كلها فتقول : تُرى أهذا الذي امتنع عن الإنفاق وآمن بالوعود الخيالية ، ويريد أن يخلص نفسه من عذاب اللَّه بإنفاقه اليسير والزهيد من أمواله ، أتغنيه هذه الخيالات والتصورات : « أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِى صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرهِيمَ الَّذِى وَفَّى » « 2 » . « إبراهيم » : هو ذلك النبي العظيم الذي أدّى حق رسالة اللَّه ، وبلّغ ما أمره به ووفي بجميع عهوده ومواثيقه ، ولم يخش تهديد قومه وطاغوت زمانه ، ذلك الإنسان الذي بذل نفسه للنيران وقلبه للرحمن وولده للقربان وماله للُاخوان . ثم تأتي الآية الأخرى لتقول : « أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى » .
--> ( 1 ) « أكدى » : مأخوذ من الكدية ومعناه الصلابة ، ثم أطلق على من يمسك والبخيل . ( 2 ) « وفّى » : مصدره توفية معناه البذل والأداء التامّ . .