الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
14
مختصر الامثل
أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى ( 24 ) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى ( 25 ) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ( 26 ) هذه الآيات أيضاً تتناول بالبحث والتعقيب موضوع عبادة الأصنام وخرافتها ، وهي تتمّة لما سبق بيانه في الآيات المتقدمة . فتتناول أوّلًا الأمنيات الجوفاء عند عبدة الأصنام وما كانوا يتوقّعون من الأصنام : « أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّى » . تُرى ! هل من الممكن أن تشفع هذه الأجسام التي لا قيمة لها ولا روح فيها عند اللَّه سبحانه ؟ أو يُلتجأ إليها عند المشكلات ؟ كلّا ! « فَلِلَّهِ الْأَخِرَةُ وَالْأُولَى » . إنّ عالم الأسباب يدور حول محور إرادته ، وكل ما لدى الموجودات فمن بركات وجوده ، فالشفاعة من اختياراته أيضاً ، وحلّ المشاكل بيد قدرته كذلك . وهكذا فإنّ القرآن يقطع أمل المشركين تماماً - بشفاعة الأصنام . وفي آخر الآيات محل البحث يقول القرآن مضيفاً ومؤكّداً على هذه المسألة : « وَكَم مّن مَّلَكٍ فِى السَّموَاتِ لَاتُغْنِى شَفَاعَتُهُمْ شَيًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى » . فحيث لا تستطيع الملائكة على عظمتها حتى ولو بشكل جماعي أن تشفع لأحد إلّابإذن اللَّه ورضاه ، فما عسى يُنتظر من هذه الأصنام التي لا قيمة لها . بحث سعة الأماني : الأمل أو التمنّي إنّما ينبع من محدودية قدرة الإنسان وضعفه ، الإنسان إذا كانت له علاقة بالشيء ولم يستطع أن يبلغه ويحقّقه فإنّه يأخذ صورة التمنّي عنده . . . وبالطبع قد تكون أمانيّ الإنسان أحياناً نابعة من روحه العالية وباعثاً على الحركة والجدّ والنشاط والجهاد وسيره التكاملي . . . كما لو تمنّى بأن يتقدم الناس بالعلم والتقوى والشخصية والكرامة . إلّا أنّه كثيراً ما تكون هذه الأحلام « والأماني » كاذبة ، وعلى العكس من الأماني الصادقة فانّها - أي الكاذبة - أساس الغفلة والجهل والتخدير والتخلّف كما لو تمنّى الإنسان الخلود في الأرض والعمر الدائم ، وأن يملك أموالًا طائلة ، وأن يحكم الناس جميعاً وأمثال هذا الخيال الموهوم . ولذلك فقد رغّبت الروايات الإسلامية الناس في تمنّي الخير ، كما في كتاب الخصال عن