الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
113
مختصر الامثل
التّفسير الظهار عمل جاهلي قبيح : بالنظر إلى ما قيل في سبب النزول ، وكذلك طبيعة الموضوعات التي وردت في السورة ، فإنّ الآيات الأولى منها واضحة في دلالتها حيث يقول سبحانه : « قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا » . « تجادل » : من المجادلة مأخوذة من مادة « جدل » وتعني في الأصل ( فتل الحبل ) . ثم يضيف تعالى : « وَتَشْتَكِى إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا » . « تحاور » : من مادة « حور » بمعنى المراجعة في الحديث أو الفكر . « إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ » . إنّ اللَّه عالم بكل المسموعات والمرئيات ، بدون أن يحتاج إلى حواس نظر أو سمع ، لأنّه حاضر وناظر في كل مكان ، يرى كل شيء ويسمع كل حديث . ثم يستعرض تعالى حكم الظهار بجمل مختصرة وحاسمة تقضي بقوة على هذا المفهوم الخرافي حيث يقول سبحانه : « الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِن نّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا الِى وَلَدْنَهُمْ » . « الام » و « الولد » ليس بالشيء الذي تصنعه الألفاظ ، بل إنّهما حقيقة واقعية عينية خارجية لا يمكن أن تكون من خلال اللعب بالألفاظ . ويضيف تعالى مكمّلًا الآية : « وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا » « 1 » . وتماشياً مع مفهوم هذه الآية فإنّ « الظهار » عمل محرّم ومنكر ، ومع أنّ التكاليف الإلهية لا تشمل الممارسات السابقة ، إلّاأنّها ملزمة لحظة نزول الحكم ، ولابدّ عندئذ من ترتيب الأثر ، حيث يضيف اللَّه سبحانه هذه الآية : « وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌ غَفُورٌ » . وبناءً على هذا فإذا كان المسلم قد ارتكب مثل هذا العمل قبل نزول الآية فلا بأس عليه لأنّ اللَّه سيعفو عنه ، وأمّا مسألة الكفارة باقية بقوّتها . إلّا أنّ مثل هذا العمل القبيح ( الظهار ) لم يكن شيئاً يستطيع الإسلام أن يغضّ النظر عنه ، لذلك فقد جعل له كفارة ثقيلة نسبيّاً كي يمنع من تكراره ، وذلك بقوله تعالى : « وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا » . ثم يضيف تعالى : « ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ » .
--> ( 1 ) « زور » : في الأصل بمعنى الإنحناء الموجود على الصدر وجاءت أيضاً بمعنى الانحراف ، ولأنّ حدود الكذب والباطل منحرفة عن الحق ، فيقال له ( زور ) كما يطلق على الصنم أيضاً بهذا اللحاظ .